الانتفاضة / مهدي الكريمي (متدرب)
لم يكن خروج السنغال من الدور ثمن النهائي في كأس العالم 2026 مجرد خسارة كروية عادية، بل تحول إلى نموذج جديد لسيناريو يتكرر في كرة القدم العالمية؛ فريق يقترب من إنجاز تاريخي، ثم ينهار في الدقائق الأخيرة بصورة مفاجئة. وقبلها بساعات، عاش منتخب الكونغو الديمقراطية المشهد ذاته أمام إنجلترا، بعدما بدد تقدمه في الدقائق الأخيرة ليودع البطولة رغم الأداء البطولي.
هذه المشاهد التي تتكرر باستمرار تطرح سؤالاً طالما حيّر الجماهير والمدربين: لماذا تعجز بعض المنتخبات عن الحفاظ على تقدمها عندما يصبح الفوز قريباً للغاية؟
الرياضة لا تفسر هذه الظاهرة بالمهارات الفنية وحدها، فالعلم يرى أن الدقائق الأخيرة تختلف تماماً عن بقية المباراة. وتشير دراسات حديثة حللت آلاف المباريات إلى أن معدل تسجيل الأهداف يرتفع بشكل واضح مع اقتراب النهاية، لأن طبيعة اللقاء نفسها تتغير. الإرهاق البدني يزداد، والمدربون يغامرون بتعديلات هجومية، بينما تتبدل الحالة الذهنية للاعبين بصورة جذرية.
لكن العامل النفسي يبقى الأكثر إثارة. فحين يسجل الفريق المنافس هدفاً متأخراً، لا يضيف هدفاً إلى النتيجة فقط، بل يخلق ما يسميه علماء النفس الرياضي بـ”الزخم النفسي”. هذا التحول يجعل الفريق الذي عاد في النتيجة يشعر بأن المباراة أصبحت في متناوله، بينما ينتقل الفريق المتقدم من عقلية البحث عن الفوز إلى عقلية الدفاع عن المكسب بأي ثمن.
وتؤكد أبحاث علم النفس الرياضي أن اللاعبين يتعاملون مع المباراة بعقليتين مختلفتين؛ الأولى تسمى “عقلية الاقتراب”، حيث يركز اللاعب على صناعة الفرص وتسجيل المزيد من الأهداف، والثانية هي “عقلية التجنب”، وفيها يصبح التفكير منصباً على الخوف من ارتكاب الخطأ أو فقدان الإنجاز الذي بات قريباً.
هذا الانتقال الذهني ينعكس مباشرة على الأداء داخل الملعب. فالتمريرات تصبح أكثر تردداً، والقرارات أقل جرأة، بينما يفقد اللاعب جزءاً من تلقائيته التي اكتسبها عبر سنوات طويلة من التدريب.
ويطلق علماء النفس على هذه الحالة اسم “الاختناق تحت الضغط”، وهي ظاهرة معروفة في الرياضات التنافسية، حيث يؤدي التوتر الشديد إلى تراجع جودة الأداء رغم امتلاك اللاعب للمهارات نفسها. فالقلق يستهلك الانتباه، ويجعل الرياضي يراقب تفاصيل حركته بشكل مبالغ فيه، فيفقد انسيابيته المعتادة.
ولا تتوقف الأسباب عند الجانب النفسي فقط، إذ تلعب اللياقة البدنية والتغييرات التكتيكية وجودة البدلاء دوراً مؤثراً أيضاً. ففي الدقائق الأخيرة تنخفض الطاقة البدنية، بينما يرفع الفريق المتأخر من مستوى المخاطرة، وهو ما يزيد من فرص صناعة الفرص والأهداف.
كما أن التجارب السابقة تترك بصمتها في ذاكرة اللاعبين. فالفرق التي اعتادت خسارة المباريات الحاسمة أو إهدار التقدم قد تحمل معها هذا الإرث النفسي إلى المواجهات التالية، فيتحول الخوف من تكرار الفشل إلى عامل إضافي يزيد من الضغوط ويؤثر في اتخاذ القرار.
ويرى الباحثون أن هذه المشكلة ليست قدراً محتوماً، بل يمكن الحد منها عبر تدريبات تحاكي سيناريوهات الدقائق الأخيرة، وتعويد اللاعبين على استقبال هدف متأخر دون فقدان التوازن، مع إعداد روتين واضح للتعامل مع اللحظات الحرجة، بما يساعدهم على استعادة التركيز بسرعة وعدم الوقوع في دوامة الانهيار.
وفي النهاية، يبقى انهيار الفرق في اللحظات الأخيرة نتيجة تداخل عوامل بدنية وتكتيكية ونفسية، يصعب فصل أحدها عن الآخر. لكن المؤكد أن كرة القدم لا تُحسم فقط بالأقدام، بل أيضاً بالعقول القادرة على مقاومة الضغط عندما يصبح الحلم على بعد دقائق قليلة من التحقق.