الانتفاضة / مهدي الكريمي (صحفي متدرب)
قبل ربع ألفية من الزمن، أعلنت الولايات المتحدة استقلالها، لتبدأ رحلة تحولت خلالها من دولة ناشئة إلى القوة الأكثر تأثيرا في النظام الدولي. لكن مع اقتراب الاحتفال بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال، لم تعد الأسئلة تدور حول حجم القوة الأمريكية، بل حول قدرتها على الحفاظ على مكانتها في عالم يتغير بسرعة، وعلى تجاوز انقسامات داخلية تهدد تماسك مشروعها الوطني.
ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال تتربع على قمة الاقتصاد العالمي، وتتصدر سباق الابتكار والتكنولوجيا، فإن صورة “القوة المهيمنة بلا منازع” لم تعد كما كانت بعد الحرب العالمية الثانية. فصعود قوى جديدة، وفي مقدمتها الصين، إلى جانب التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، فرض واقعا دوليا أكثر تعقيدا، تتقاسم فيه عدة دول النفوذ والتأثير.
وفي الداخل الأمريكي، تبدو التحديات أكثر حساسية. فالاستقطاب السياسي بلغ مستويات غير مسبوقة، والنقاشات حول الهوية الوطنية والهجرة وحقوق التصويت وصلاحيات المؤسسات الدستورية أصبحت جزءا من الحياة اليومية، ما يعكس أزمة تتجاوز التنافس الحزبي لتلامس جوهر المشروع الأمريكي نفسه.
ويرى مراقبون أن الولايات المتحدة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، يشبه محطات مفصلية سابقة مثل الحرب الأهلية وحركة الحقوق المدنية. فالسؤال لم يعد يتعلق باستعادة أمجاد الماضي، وإنما بقدرة البلاد على تطوير نموذجها الديمقراطي بما يتلاءم مع التحديات الجديدة ويحافظ على تماسك المجتمع الأمريكي.
وعلى الصعيد الدولي، لا تزال واشنطن تمتلك عناصر قوة يصعب منافستها. فهي صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، وتقود ثورة الذكاء الاصطناعي، وتحتفظ بالدولار باعتباره العملة الأكثر استخداما في التجارة والاحتياطيات العالمية، كما أصبحت أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي، وهو ما يمنحها أوراق قوة اقتصادية واستراتيجية كبيرة.
لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا تخفي حقيقة أن التفوق الأمريكي النسبي يشهد تراجعا تدريجيا. فقد انخفضت الحصة الأمريكية من الإنتاج الصناعي العالمي بشكل كبير مقارنة بفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بينما توسعت قدرات الصين الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، لتصبح المنافس الأكثر جدية لواشنطن منذ عقود.
وفي هذا السياق، يحاول الرئيس دونالد ترامب إعادة صياغة استراتيجية القوة الأمريكية من خلال تعزيز الإنفاق العسكري، والضغط على الحلفاء لتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع، إلى جانب تبني سياسات اقتصادية أكثر حمائية. غير أن هذه المقاربة تواجه انتقادات واسعة بسبب تأثيرها المحتمل على أدوات النفوذ الناعم التي شكلت أحد أبرز مصادر التفوق الأمريكي لعقود طويلة.
ويحذر خبراء من أن تقليص المساعدات الخارجية، وخفض التمويل المخصص للبحث العلمي، وتشديد سياسات الهجرة، قد ينعكس سلبا على القدرة الأمريكية في استقطاب الكفاءات العالمية، وهو عنصر لعب دورا محوريا في ريادة الولايات المتحدة في مجالات العلوم والابتكار والتكنولوجيا.
كما تشير المؤشرات إلى تراجع جاذبية الولايات المتحدة بالنسبة للمهاجرين والباحثين، في وقت تتنافس فيه دول أخرى على استقطاب العقول والخبرات، ما يثير تساؤلات حول قدرة واشنطن على الحفاظ على تفوقها العلمي في المستقبل.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الذكرى الـ250 للاستقلال أكثر من مجرد مناسبة احتفالية، إذ تحولت إلى محطة لإعادة تقييم التجربة الأمريكية بأكملها. فبين من يرى أن البلاد لا تزال تمتلك كل مقومات القيادة العالمية، ومن يعتقد أن زمن الهيمنة المطلقة قد انتهى، يبقى المؤكد أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة جديدة تختلف كثيرا عن تلك التي صنعت خلالها النظام الدولي الحديث.
وربما لا يكمن التحدي الأكبر أمام واشنطن في الحفاظ على لقب القوة الأولى عالميا، بل في قدرتها على التكيف مع عالم متعدد الأقطاب، ومعالجة انقساماتها الداخلية، واستعادة الثقة في نموذجها الديمقراطي. فالقوة العسكرية والاقتصادية وحدها لم تعد كافية لضمان النفوذ، بينما أصبحت الشرعية الداخلية والقدرة على الإقناع والابتكار عوامل لا تقل أهمية في رسم ملامح القرن الحادي والعشرين.
وبين إرث يمتد إلى 250 عاما ومستقبل مليء بالتحديات، تقف الولايات المتحدة أمام اختبار قد يحدد ليس فقط شكل قيادتها للعالم، بل أيضا طبيعة الدولة التي تريد أن تكونها خلال العقود المقبلة.