السمارة العاصمة العلمية زمور لكحل مدينة تصدر المسؤولين وتستورد الإهمال

0

الانتفاضة/ سيداتي بيدا

ثمة مدن تصنع التاريخ، وأخرى تصنع الرجال. أما السمارة، فقد فعلت الأمرين معاً، لكنها كانت الأقل استفادة من إنجازها. فمن رحم هذه المدينة خرج مسؤولون وبرلمانيون ورؤساء جماعات، حملتهم أصوات الناس إلى واجهة القرار، لكنهم ما إن وصلوا حتى أصبحت الطريق إلى السمارة تمر في موسم الانتخابات فقط.
العجيب أن مؤشرات الثراء لدى بعض النخب ارتفعت بسرعة قياسية، بينما بقيت مؤشرات التنمية في المدينة تتحرك بسرعة سلحفاة متعبة. تضخمت الاستثمارات الخاصة، وازدادت الحسابات البنكية امتلاءً، لكن الأرصفة ظلت مكسرة، والمساحات الخضراء مجرد أمنية، والمرافق الترفيهية مشروعاً مؤجلاً إلى أجل لا يعرفه إلا أصحاب الوعود.
وكأن المدينة تحولت إلى شركة مساهمة؛ المواطن يساهم بصوته، بينما الأرباح تذهب إلى مجلس الإدارة وحده.
في السمارة، لا يحتاج المرء إلى تقارير رسمية ليدرك حجم الخلل. يكفي أن يتجول بين أحيائها ليكتشف أن البنية التحتية ما زالت تطلب حقها في الوجود، وأن الأطفال يبحثون عن فضاء للعب فلا يجدون سوى الإسفلت، وأن الشباب يفتشون عن ملاعب ومراكز للتكوين وصالات رياضية، فيصطدمون بجدار الصمت، بينما تُرفع في المناسبات الشعارات ذاتها عن “الاهتمام بالشباب” و”التنمية المستدامة”.
أما قطاع الصحة، فقد أصبح امتحاناً يومياً لصبر السكان. مستشفى بإمكانات محدودة، وتخصصات غائبة، ومرضى يجدون أنفسهم مضطرين لقطع مئات الكيلومترات طلباً لعلاج كان يفترض أن يكون حقاً لا رحلة شاقة. والتعليم بدوره يعيش على وعود الإصلاح أكثر مما يعيش على الإصلاح نفسه، وكأن مستقبل الأجيال يمكن أن يُبنى بالخطب لا بالمؤسسات.
المفارقة الأكثر قسوة أن السمارة ليست مدينة فقيرة في تاريخها ولا في مكانتها ولا في كفاءاتها، لكنها تبدو فقيرة في نصيبها من اهتمام من يمثلونها. وكل دورة انتخابية تتحول إلى موسم جديد لإعادة تدوير الخطابات نفسها، حتى باتت الوعود مشروعاً دائماً، والتنمية مشروعاً مؤجلاً.
المسؤولية ليست وساماً يُعلّق على الصدور، ولا سلماً لتوسيع النفوذ والثروة، بل عقد أخلاقي وسياسي مع المواطنين. ومن يعجز عن الوفاء به، لا يحق له الاحتماء بخطابات الإنجاز أو الاحتمالات.
فالسمارة لا تحتاج إلى خطباء يجيدون صناعة التصفيق، بل إلى رجال دولة يصنعون الأثر. مدينة بهذا التاريخ لا يليق بها أن تبقى على هامش التنمية، ولا أن تتحول إلى شاهد صامت على نجاح مسؤوليها في كل شيء
إلا في خدمة المدينة التي منحتهم كل شيء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.