الانتفاضة/ بقلم: سيداتي بيدا
في لعبة النفوذ بين واشنطن وطهران، يبدو أن مرحلة تبادل الاتهامات قد تجاوزت حدودها التقليدية، لتدخل المواجهة الآن إلى منطقة أكثر خطورة من يدفع ثمن الدم؟ ومن يملك حق تقديم الفاتورة؟
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يترك المطالب الإيرانية بالتعويضات تمرّ بصمت.
بل قلب الطاولة على طهران، معلناً أن الولايات المتحدة بدورها ستطالب إيران بتعويضات عن قتلى وجرحى يقول إنهم سقطوا بسبب ما وصفه بهجمات وعبوات ناسفة مرتبطة بإيران.
رسالة ترامب ليست مالية بقدر ما هي سياسية: إذا أرادت طهران فتح دفتر التعويضات، فعليها أن تكون مستعدة لقراءة الفواتير الأمريكية صفحةً صفحة.
لكن المفارقة الأكثر إثارة للجدل ظهرت عندما استحضر ترامب تفجير المدمرة الأمريكية «كول» في ميناء عدن عام 2000، والذي قتل فيه 17 بحاراً أمريكياً وأصيب آخرون. فهذه الواقعة، وفق ما ينسبه مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، ارتبطت بتنظيم القاعدة، وليس من الدقة القانونية والسياسية تحميل إيران مسؤوليتها بصورة مباشرة من دون أدلة محددة تثبت ذلك.
ومع ذلك، فإن دخول هذا الملف القديم إلى الخطاب السياسي الحالي يكشف شيئاً أكبر من مجرد خلاف حول التعويضات
إنه استدعاء لذاكرة الصراع واستخدامها كسلاح تفاوضي.
ترامب لم يتوقف عند ذلك، بل أشار أيضاً إلى ضحايا الاحتجاجات المناهضة للحكومة الإيرانية، ملوحاً بمطالب تتعلق بأسر آلاف القتلى. وهنا تتداخل السياسة بالحقوق، وتتقاطع ملفات العقوبات والحروب والاحتجاجات في مشهد واحد شديد التعقيد.
أما مضيق هرمز، فقد بات جوهر المعادلة.
فإيران تربط أي ترتيبات ملاحية جديدة عبر هذا الشريان الاستراتيجي بمطالب تشمل التعويضات ورفع العقوبات ووقف التهديدات العسكرية الأمريكية. وبذلك يتحول المضيق من ممر بحري إلى ورقة ضغط جيوسياسية قد تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتطال أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
المشكلة أن لغة «التعويضات» قد تبدو قانونية في ظاهرها، لكنها تصبح شديدة الخطورة عندما تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية. فالضحايا ليسوا عملة تفاوض، والدماء لا ينبغي أن تصبح بنداً في عقد سياسي بين قوتين متصارعتين.
إن واشنطن وطهران لا تتنازعان اليوم فقط على النفوذ، بل تتصارعان على من يكتب الرواية الأخيرة ومن يفرض على الآخر دفع ثمنها.
وفي ظل هذه المبارزة، يبقى هرمز واقفاً عند حافة المشهد، كأن العالم ينتظر السؤال الأخطر: هل نحن أمام مفاوضات تبحث عن تسوية، أم أمام فاتورة حرب يجري إعدادها قبل وصولها إلى صندوق الدفع؟