عطش التراث وسُمّ القطران.. أكواب الفخار في قلعة السراغنة تحت المجهر الصحي

0

الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد

في ربوع إقليم قلعة السراغنة، حيث تتعانق عادات الأجداد مع تفاصيل الحياة اليومية، يظل “كوب الفخار” المطلي بالقطران رفيقاً وفياً لموائد الشرب، يحفظ برودة الماء في الصيف ودفء الذاكرة في كل الفصول. غير أن هذا المشهد التراثي الأثير، الذي توارثته الأسر عن آبائها، بات اليوم محط تساؤلات علمية، بعد أن كشفت تحاليل مخبرية أن المادة السوداء التي تزين جدران هذه الأكواب، وتحولها إلى تحفة يدوية، قد تنقل إلى الماء النقي عناصر كيميائية ثقيلة كالزرنيخ والألومنيوم والكوبالت، خاصة عند تعرضها لتغيرات حرارية أو بقاء السائل داخلها لفترات مطولة، ليتحول الشراب المنعش إلى جرعة صحية قد يكون المستهلك في غنى عنها.

ومع أن هذه الأكواب كانت، ولا تزال، جزءاً من هوية الضيافة في المنطقة، فإن التطور العلمي فرض مراجعة جادة لهذه الممارسة، الأمر الذي دفع كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني إلى إصدار قرار حازم بمنع استعمال مادة القطران في جميع الأواني الفخارية الموجهة للاستعمال الغذائي، وعلى رأسها هذه الأكواب المخصصة للشرب. هذا القرار، الذي يستند إلى معطيات دامغة، لم يأت لإلغاء التراث، بل لحمايته من شوائبه، ولتأكيد أن صحة المواطن، الذي يشرب من هذا الإناء يومياً، هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ذريعة.

لكن وعياً من الوزارة بأن التغيير لا يتحقق بالقوانين وحدها، تزامن المنع مع دعوة مكثفة لإطلاق حملات تحسيسية وتوعوية، تستهدف طرفين أساسيين: الأول، الحرفيون والصنّاع في مناطق الإنتاج، لتشجيعهم على تبني تقنيات جديدة تعتمد على مواد طبيعية غير ضارة لتزجيج الأكواب، وشرح المخاطر الصحية بأسلوب علمي مقنع يحولهم إلى شركاء في الحماية. والثاني، المستهلكون في قلعة السراغنة وسائر المناطق المستعملة لهذا النوع من الفخار، لتوعيتهم بكيفية تمييز الأكواب الآمنة من تلك المصنوعة بالقطران، وتشجيعهم على التوجه نحو البدائل الصحية التي تضمن لهم نقاء شرابهم دون المساس بجمالية الإرث الحرفي.

إن المطلوب اليوم ليس التخلي عن هذه الأكواب التراثية التي تزين البيوت، بل تطويرها بما يليق بمتطلبات العصر. فالنجاح في هذه المعركة مرهون بتضافر جهود جميع الأطراف: توفير بدائل طبيعية عالية الجودة وبأسعار مناسبة، تكثيف المراقبة في الأسواق لمنع تداول الأكواب الملوثة، وإشراك الفاعلين المحليين في نقل الرسائل التوعوية بلغة بسيطة تلامس يوميات الناس. وقلعة السراغنة، بعشقها لهذه الأكواب وتفردها في استعمالها، مدعوة اليوم لأن تكون نموذجاً في التحول الواعي، حيث يتحول كوب الماء من مجرد وعاء للشرب إلى رمز للوعي الصحي، يجمع بين عبق الماضي وسلامة الحاضر، ليظل العطش موروثاً، ولكن بلا سموم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.