الانتفاضة
يعيش المغرب لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها التحولات الداخلية مع رهانات إقليمية ودولية متسارعة. فبعد محطات انتخابية متتالية، بدا واضحا أن التحدي لم يعد فقط في تدبير الأغلبية الحكومية، بل في إعادة بناء الثقة السياسية وترميم العلاقة بين الدولة والمجتمع، في سياق تتزايد فيه المطالب الاجتماعية وتتعاظم التحديات الجيوسياسية، وعلى رأسها قضية الصحراء.
حزب أغلبي برئيس بلا رصيد نضالي:
يقود المشهد اليوم حزب أغلبي (التجمع الوطني للأحرار) يتولى رئاسة الحكومة عبر عزيز أخنوش، الذي لم يتدرج في العمل الحزبي التقليدي، ولم يتراكم لديه رصيد نضالي أو سياسي وازن، وهذا المعطى، وإن كان لا ينزع الشرعية الانتخابية، إلا أنه يطرح سؤال الكفاءة السياسية والقدرة على إدارة التوازنات المعقدة داخل الدولة والمجتمع.
وحتى بعد انسحابه من رئاسة الحزب، تولى “بروفيل” شبيه له (محمد شوكي)، بلا رصيد حزبي أو سياسي، وسيكون ملزما بقيادة حزبه في انتخابات 2026، التي يُفترض أنها امتحان سياسي لهذا الحزب.
والحياة السياسية المغربية تاريخيا كانت تُنتج قيادات تمر عبر مسارات طويلة من العمل النقابي أو الحزبي أو البرلماني، أما اليوم، فالصعود السريع إلى قمة الهرم التنفيذي دون تجربة سياسية عميقة ينعكس على مستوى الخطاب، وعلى القدرة على بناء الإجماع، وعلى تدبير الأزمات الاجتماعية المتلاحقة، وهنا يتعزز الانطباع بوجود فراغ سياسي، حتى وإن توفرت أدوات التدبير التقني.
حزب ثانٍ بقيادة جماعية: سابقة تنظيمية:
في المقابل، يشهد الحزب الثاني في الترتيب الانتخابي (الاصالة والمعاصرة)، تجربة غير مسبوقة في تاريخ الأحزاب المغربية، عبر اعتماد قيادة جماعية بدل الزعامة الفردية التقليدية.
هذا التحول قد يُقرأ كتجديد ديمقراطي داخلي، لكنه في الآن نفسه يطرح إشكالات النجاعة والوضوح والمسؤولية في اتخاذ القرار.
إن التجربة السياسية المغربية، سواء في أحزاب الحركة الوطنية، أو الأحزاب اللاحقة، ارتبطت دائما بشخصيات كاريزمية واضحة المعالم، أما الانتقال إلى نموذج القيادة الجماعية، فيحتاج إلى ثقافة مؤسساتية راسخة وآليات تحكيم فعالة، حتى لا يتحول إلى توزيع رمزي للمسؤولية دون فعالية سياسية حقيقية.
تفكك حكومي وغياب الانسجام:
من أبرز ملامح المرحلة، ذلك التفكك الحكومي الذي يظهر من خلال تضارب التصريحات، واختلاف المقاربات، وغياب رؤية موحدة للسياسات العمومية، فالأغلبية تبدو، في كثير من الملفات، وكأنها تحالف انتخابي أكثر منها فريقا حكوميا منسجما، وهو ما برز في ملفات منها ما يمسى في المغرب بـ”الفراقشية” الذين استفادوا من الدعم الحكومي المخصص لاستيراد الأبقار والأغنام، والمسار المتعثر لقانون مهنة المحاماة وكذا قانون المجلس الوطني للصحافة.
هذا الوضع يضعف صورة الحكومة، ويؤثر على قدرتها في التواصل مع الرأي العام، ويعزز الإحساس بأن القرار موزع بين مراكز متعددة، وأن الانسجام المطلوب لمواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لم يتحقق بعد.
تراجع الثقة وتنامي الإحساس بالفساد:
الثقة في المؤسسات السياسية تعيش بدورها مرحلة اختبار حقيقي، فمع تصاعد الحديث عن تضارب المصالح، والتمكين للمقربين، واستمرار مظاهر الريع، يتسع الشعور بأن قواعد المنافسة العادلة غير متكافئة.
وأخطر ما يمكن أن تواجهه أي منظومة سياسية ليس المعارضة، بل فقدان الثقة، فعندما يترسخ لدى المواطنين الاعتقاد بأن السياسات تخدم فئات محدودة، وأن آليات المحاسبة ضعيفة، فإن ذلك يهدد جوهر العقد الاجتماعي.
تعثر ورش الحماية الاجتماعية:
أطلق المغرب ورشا طموحا لتعميم الحماية الاجتماعية تنفيذا للتوجيهات الملكية، غير أن التنزيل العملي يواجه تعثرات واضحة، منها إكراهات التمويل، وضعف الاستهداف، وارتباك في المنظومات المعلوماتية، وصعوبات في ضمان جودة الخدمات، بالإضافة إلى حرمان فئات من المواطنين من التغطية الصحية، وعدم الالتزام بأجندة القانون الإطار المنظم للحماية الاجتماعية.
هذا الورش، الذي يفترض أن يكون رافعة للعدالة الاجتماعية، يظل رهينا بمدى قدرة الحكومة على تعبئة الموارد، ومحاربة الفساد، وضمان حكامة فعالة، فالفشل هنا لن يكون تقنيا فقط، بل سيؤثر عميقا على الثقة في جدوى الإصلاحات الكبرى.
ارتفاع سقف المطالب الاجتماعية:
في ظل الغلاء، وتحديات التشغيل، والتفاوتات المجالية الحادة، تتزايد مطالب المواطنين بسرعة تفوق إيقاع الاستجابة الحكومية، حيث لم يعد المواطن يكتفي بالوعود، بل يطالب بنتائج ملموسة في الصحة والتعليم والتشغيل والسكن.
ووسائل التواصل الاجتماعي زادت من سرعة تداول المعلومات ومنسوب الضغط، ما يجعل أي تعثر يتحول إلى أزمة رأي عام في ظرف وجيز.
التحولات الجيوسياسية وقضية الصحراء:
على المستوى الخارجي، يشهد العالم تحولات عميقة في موازين القوى، من الحرب في أوروبا الشرقية إلى التنافس الدولي في إفريقيا، والصراع في “الشرق الأوسط”، وفي هذا السياق، تظل قضية الصحراء أولوية استراتيجية للمغرب.
وقد حقق المغرب مكاسب دبلوماسية مهمة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد اعتماد مجلس الأمن للقرار رقم 2797، غير أن هذه المكاسب تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، وإلى خطاب سياسي موحد، وإلى مؤسسات قوية تحظى بثقة المواطنين، فالمعركة الدبلوماسية لا تنفصل عن متانة الجبهة الداخلية.
تحدي العزوف الانتخابي:
أخيرا، يبرز تحدي العزوف الانتخابي كجرس إنذار حقيقي، فضعف المشاركة لا يعكس فقط برودا سياسيا، بل يعكس شعورا متزايدا بعدم جدوى الفعل الانتخابي، وإذا لم تُستعد الثقة في الأحزاب وفي جدوى البرامج، في أفق انتخابات شتنبر 2026، فإن الهوة بين السلطة وتوابعها، والمجتمع ستتسع أكثر.
نحو أفق متجدد:
تشخيص المشهد السياسي المغربي اليوم يكشف عن أزمة قيادة، وأزمة ثقة، وأزمة انسجام، غير أن المغرب، بتاريخه السياسي ومؤسساته الراسخة، يملك في الآن نفسه إمكانات الإصلاح.
والرهان ليس في تغيير الوجوه فقط، بل في إعادة الاعتبار للفعل الحزبي الجاد، وترسيخ مبدأ المحاسبة، وتقوية الوساطة السياسية، وضمان عدالة اجتماعية حقيقية، فالمستقبل لن يُبنى بالتدبير التقني وحده، بل بإحياء السياسة كفضاء للنقاش العمومي، وللتنافس الشريف، وللخدمة الصادقة للصالح العام.
التعليقات مغلقة.