الصويرة… حين يُحاكم المطرُ مجلس المدينة

الإنتفاضة تأملات رمضانية 

بقلم محمد السعيد مازغ 

كم أنتِ جميلةٌ أيتها المدينةُ الغارقةُ في مياه الأمطار…
يا الصويرة التي تكالبت عليها الأقدار، فحوّلت أزقّتَها وشوارعَها حُفَرًا وآبارًا، وتكدّست الأزبال في جنباتها حتى صارت مشهدًا مع كل موسم يتكرٌَر ، كأنه قدرٌ مؤجَّل لا يجد طريقه إلى الحل.
في الحيّ الصناعي تهاوى مسكنٌ وغرق، ومضى الخبر بلا صدى، بلا نشرةٍ عاجلة ولا إشعار. كأن المباني أرقامٌ في سجلٍّ إداري، وكأنّ الوجع تفصيلٌ عابر لا يستحقّ التوقّف عنده… المدينة التي تتزيّن في الصور، تتعثّر في الواقع حين يمتحنها المطر، فتسقط عنها مساحيق التجميل، ويظهر ما كان مؤجَّلًا إلى حين.
وتحوّل “مشروع نسمة” من وعدٍ إلى سؤالٍ مفتوح، ومن أملٍ إلى نقمةٍ بفعل التسويف وطول الانتظار. أما مقاطعة حي للا أمينة، فقد بدت كمرسى بلا زوارق، بركةً مائيةً راكدة تنتظر التجفيف وأشعة شمس يوم حار. وعودٌ تُعلّق في الهواء، تُردَّد في الاجتماعات، ثم تذوب كما تذوب اللافتات الباهتة على الجدران القديمة.
صام أهل الحيّ عن الشكوى. ليس لأن الصبر بطولة، بل لأن الصوت حين يرتفع يُطلب منه أن ينتظر. يُقال له إن الإصلاح قادم، وإن الملفات قيد الدراسة، وإن الدور سيحين… لكن المطر لا ينتظر الدراسات، ولا يقرأ البلاغات، ولا يعترف بلغة “قريبًا”.
والمفارقة أن المدينة نفسها لا تطلب المستحيل. تطلب فقط ما يليق بها: طرقًا لا تغرق، أحياءً لا تتحول إلى برك، ومشاريع تُنجز في وقتها لا في نشرات الوعود. ومع ذلك، نظل نحبّ هذه المدينة. نحبّها لأنها الذاكرة والبحر والريح والوجوه الطيبة. حبّ المدينة لا يعني التغاضي عن اختلالاتها، بل الإصرار على أن تكون كما تستحق: مدينةً للكرامة، لا مسرحًا للأعذار.
فطوبى لمن اجتهد فأصاب، فله الأجر والاعتبار.
وطوبى لمن اجتهد فأخطأ، ما دام الضمير لم ينهَر.
أمّا من خان الأمانة واستمرأ الانتظار،
فسيسقط يومًا…
حين يُحاكمه المطر قبل البشر،
وتشهد الأزقّة والديار.                                                         لأن المطر، في النهاية، ليس عدوًّا…
بل شاهدًا.

التعليقات مغلقة.