الإنتفاضة : إضــــاءة
بقلم ” محمد السعيد مازغ “
حين جاءت إلى مراكش بحثًا عن استقرارٍ نفسيٍّ وماديٍّ، كانت تعرف أن الطريق لن يكون سهلًا. تركت مدينتها لأن أمورًا كثيرة فيها تغيّرت، كما أن فرص الشغل باتت شبه منعدمة. هاجرت بقلبٍ مليءٍ بالأمل، وكلما شعرت بالتعب ردّدت في سرّها: «الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين…». فتشعر بقوةٍ تدفعها إلى الأمام. في أحد أزقة مراكش، رأت شابًا يسير نحو نخلة دون أن ينتبه إلى جذعها، وكاد أن يصطدم بها، فأسرعت وأمسكت بيده. انتبهت حينها إلى أنه فاقد للبصر. كان يحمل في يده مصاحف وعود أرك. سألته إن كانت للبيع، فأجابها بهدوء: نعم، أبيعها لأعيش، لا أحب أن أطلب الصدقة من أحد. كان كلامه بسيطًا لكنه مؤثر. قال إن رزقه على الله، وإنه يفضّل العمل القليل على مدّ اليد للناس. تراءى بين عينيها مفتولو العضلات، باردو الأكتاف، الذين رضوا بالذلّ والهوان، في مقابل فاقد البصر الرافض للصدقة. ورغم أن حالها كان صعبًا، اشترت منه مصحفًا وعود أرك، ثم أخبرها أنه كان يعيش في مركزٍ خيري، لكنه طُرد بعدما اشتكى من سوء المعاملة، فوجد نفسه في الشارع، بلا مأوى ولا معيل. كانت تشعر بالحسرة، فـيدُها قصيرة، وظروفها قاسية، ولا تملك سوى الدعاء لأولئك الذين يعتبرهم المجتمع أغنياء بالتعفّف. ثم مضت في طريقها وهي تفكّر: ليس العمى في فقدان البصر، بل في فقدان الضمير. وتعلّمت يومها أن الكرامة نورٌ يهدي صاحبه، حتى وإن عاش في الظلام.
التعليقات مغلقة.