ومضات رمضانية: حين يسقط القناع 

الإنتفاضة  الثقافية

بقلم محمد السعيد مازغ 

حين يسقط القناع 
كان عمر الحاجة رقية حوالي سبعين عاما، وكان زوجها يفوقها بسنوات قليلة، عاشا معًا حياة هادئة قوامها الاحترام والتقدير، لم يُرزقا بأبناء، لكن قلبيهما لم يعرفا الفراغ، فاحتضنا طفلة من أحد المراكز الخيرية وربّياها كابنتهما، ثم بعد سنوات أعادا التجربة فتبنيا فتاة ثانية تكون أختا وأنيسة للأولى، وتمنح البيت دفئا وحياة وضجيجا. كان بيت الحاجة رقية مفتوحًا في وجه الضيوف، عامرًا بالمحبة، وعُرف الزوجان بكرم الضيافة، وكان أهل قرية الزوج يزورونهما بين الفينة والأخرى، فيستقبلهم ببشاشة ويناديهم قائلًا: ” أبناء عمي”، حيث جرت العادة على أن أبناء قرية واحدة هم أبناء عمومة ، والواجب يفرض استضافتهم وتقديم المساعدة لهم.                                                                                              مضت السنوات، وتوفي الزوج، فخفت نور البيت، ولم تمضِ مدة حتى اشتد المرض على الحاجة رقية، فأصبحت طريحة الفراش، ولم تجد بجانبها إلا ابنتيها اللتين سهرتا على راحتها ليلًا ونهارًا، تطعمانها بيديهما وتمسحان جبينها بحنان صادق. فجأة ظهر على الساحة رجال يدّعون أنهم الورثة الشرعيون، وأن البنتين لا نسب لهما ولا حق في الإرث، وتقدّموا بشكاية إلى القضاء مدعّمة بشهود يؤكدون معرفتهم الوثيقة بالزوج وبصلة القرابة التي تربطه بهم. بدت الدعوى قوية في ظاهرها، غير أن قاضي التحقيق راوده شكٌّ في أقوال الشهود، فاستدعاهم واحدًا تلو الآخر، ووضع أمامهم لائحة صور تضم صورة الزوج الراحل، وسألهم إن كانوا يفرزون صورته من بين الصور ، فكانت الصدمة أن أغلبهم لم يتعرف عليه، وتردد بعضهم، واعترف آخرون أنهم لا يعرفون عنه شيئًا، فتكشّفت زيف الشهادة وسقط الادعاء، واتضح أن القرابة لم تكن إلا كلمة تُقال على مائدة كريمة، وأن من عاشوا على خير الرجل حاولوا اقتسام ما خلّفه دون حق. انتهت القضية بانتصار الحقيقة، وبقيت الحاجة رقية مطمئنة وهي تنظر إلى ابنتيها وتدرك أن البنوة ليست دمًا يجري في العروق فحسب، بل موقفًا عند الشدة ووفاءً لا يتبدل، فليس كل قريبٍ صادقًا، ولا كل بعيدٍ غريبًا، والشدائد وحدها كفيلة بأن تكشف الوجوه وتسقط الأقنعة.

التعليقات مغلقة.