بين الحرب والفكرة: تفكيك بنية العنف الايديولوجي.. إيران نموذجا

الانتفاضة  // ابتهال عبد الوهاب 

الحروب ليست طارئا على التاريخ، بل هي ظله الثقيل الذي يسير معه منذ فجر الانسانية. لكنها، مهما تقادمت، لا تصبح طبيعية ولا تفقد قسوتها. فكل حرب، مهما اختلفت شعاراتها، تبدأ بوعد زائف بالخلاص وتنتهي بحصاد من الفقد والخراب.. الحرب ايضا امتحان اخلاقي عظيم: تكشف هشاشة الشعارات حين تصطدم بالدم، وتفضح زيف الخطابات حين تعجز عن تبرير دمعة ام او صرخة طفل. وكلما طالت، ازداد السؤال الحارق وضوحا: هل كان يمكن للعقل ان يجد طريقا اخر غير النار؟

و في زمن تتقدم فيه الصواريخ على الكلمات، وتعلو فيه أصوات المدافع فوق صوت الضمير، نجد أنفسنا أمام مشهد يعيد طرح السؤال الفلسفي الأقدم:

هل المشكلة في الأشخاص… أم في الأفكار التي تنتجهم؟

والحروب لا تبدا بالصواريخ، بل بالافكار.

لا تولد في الميدان، بل في الذهن؛ هناك حيث تتحول الايديولوجيا الى يقين مغلق، ويتحول اليقين الى تفويض الهي بالهيمنة. وحين تشتعل النيران في السماء، يكون الحريق قد اشتعل منذ زمن طويل في العقول.

ما نشهده اليوم من تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وايران، وما تبعه من هجمات ايرانية على دول الخليج، ليس حادثا عابرا في سجل التوترات الدولية؛ بل هو ذروة مسار طويل من ادارة المنطقة بعقيدة الاشتباك الدائم.

صواريخ تعبر السماء، وانظمة دفاع تعترضها، وبيانات تتوالى… لكن السؤال الفلسفي يظل معلقا: من الذي يدفع الثمن حقا؟ الشعوب دائما، ام الايديولوجيات؟

انا ضد ايران كنظام سياسي لا كحضارة ولا كشعب.

ضد بنية حكم صاغت مشروعها على اساس تصدير الثورة، وتغذية الفوضى، وادارة المجال الاقليمي بعقيدة السلاح والميليشيا لا بعقل الدولة.

المشكلة لم تكن يوما في شخص، حتى لو كان راس النظام ذاته؛ فسقوط المرشد خامنئي، وبعض القيادات الايرانيه لا يعني سقوط الفكرة، ولا انتهاء المشروع. لان الخلل اعمق من فرد، انه خلل في البنية التي صنعت القمع في الداخل، وصدرت التوتر الى الخارج.

لقد علمنا مونتسكيو ان السلطة اذا لم تقيد افسدت، وان تركيزها في يد واحدة يهدد الحرية. لكن ماذا يحدث حين تضاعف السلطة بقداسة دينية؟

يحدث ما حذر منه كارل بوبر حين تحدث عن المجتمع المغلق؛ مجتمع يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ويقصي كل نقد باعتباره خيانة. في هذا المناخ، لا يعود المعارض خصما سياسيا، بل خصما للعقيدة.

الحكم الديني حين يحتكر السماء ليحكم الارض، يحول السياسة الى معركة خلاص ابدية.

تصبح الدولة مشروعا عقائديا لا كيانا قانونيا.

ويتحول المواطن الى اداة تعبئة لا الى شريك في القرار.

ان جوهر الاشكال في التجربة الايرانية ليس التدين، بل تسييس المقدس. ليس الايمان، بل توظيفه كآلية شرعنة للقمع والتوسع.

وهنا يتجلى ما اشارت اليه حنا ارندت حين ربطت بين الايديولوجيا الشمولية وفكرة الحركة الدائمة؛ فالانظمة العقائدية تحتاج دائما الى صراع خارجي لتبرير قبضتها الداخلية.

السلام يضعفها، لانها تعيش على خطاب الطوارئ.

من هنا نفهم ان المرحلة القادمة اخطر من لحظة القصف نفسها.

فالفراغ السياسي، ان حدث، لن يملا تلقائيا بعقل الدولة، بل قد تملاه شبكات النفوذ، والاقتصادات الموازية، والميليشيات التي نشات في ظل المشروع ذاته.

الفراغ لا يبقى فراغا؛ انه يستدعي من يسكنه.

واذا لم تتقدم دولة القانون، تقدمت دولة السلاح.

لقد كتب ابن خلدون ان العصبية اذا تحولت الى اداة حكم دون ضابط اخلاقي او مؤسسي، انتهت الى الخراب. وما نراه اليوم هو عصبيات مذهبية وسياسية تتجاوز الحدود، وتعيد رسم الخريطة بالولاء لا بالمواطنة.

الدولة الحديثة تبنى على عقد اجتماعي، لا على رابطة عقائدية مسلحة.

انا ضد هذا النموذج، لانه يعيد انتاج الاستبداد باسم التحرر، ويبرر التدخل باسم المقاومة، ويحول المنطقة الى مسرح دائم للتوتر.

وضد كل خطاب يصفق للصواريخ لانها رسالة، متناسيا ان الرسائل التي تكتب بالدم لا تقرا الا في كتب الماسي.

ان الجهل هنا ليس امية معرفية، بل تعطيل للعقل النقدي.

هو ان نحتفل بالرد دون ان نسال عن الثمن،

ان نرفع الشعارات دون ان نحصي الموتي،

ان نختزل الانسان في موقعه الجغرافي او مذهبه.

قال ايمانويل كانط ان السلام الدائم لا يقوم الا على جمهوريات دستورية تحترم مواطنيها.

ولم يقل: على ثورات دائمة تحشدهم.

الفرق بين الدولة العقائدية والدولة المدنية هو الفرق بين مشروع اشتباك مستمر، ومشروع حياة مستقرة.

انني انحاز لفكرة الدولة التي تفصل بين الايمان والسلطة، وتحمي الاول من التسييس، والثانية من التقديس.

انحاز لدولة لا تصدر الفوضى، ولا تستورد العداء لتغذية بقائها.

انحاز لعقل يرى في التنمية انتصارا اكبر من اي صاروخ، وفي التعليم مشروعا اعظم من اي ميليشيا.

لان الحروب، مهما تزينت بالشعارات، تنتهي دائما الى السؤال ذاته:

من ربح؟

ومن خسر؟

والجواب المؤلم ان الشعوب هي التي تخسر مرتين؛ مرة حين تستخدم وقودا، ومرة حين تترك في رماد ما بعد المعركة.

أنا ضد إيران بوصفها نظاما سياسيا يدار بعقل الثورة الدائمة لا بعقل الدولة

وضد الحكم الديني حين يتحول إلى جهاز أمني يوزع صكوك الوطنية والإيمان.

وضد التطرف حين يختزل العالم في معسكرين، والإنسان في هويةٍ واحدة، والحياة في معركة.

وفي لحظة تفيض فيها السماء بشرارات النار، اجدني استدعي صوتا اخر، صوتا لا يشبه بيانات الحرب ولا خطابات التعبئة، صوت فيروز وهي تقول:

ما عاد بدنا حروب… بلا سبب نموت

بكرا يضل مخوفنا… ليش وعلى شو تقاتلنا

ما دام السما وحدة… لكل الناس!

تلك ليست كلمات اغنية؛ انها بيان اخلاقي في وجه الجنون.

فالسماء واحدة، لكن الذين يرفعون راياتهم باسمها كثر.

والارض واحدة، لكن الذين يقتسمونها بالدم اكثر.

لن يسقط الخراب بسقوط راس واحد،

ولن ينتهي المشروع بتبدل اسم،

ما لم يسقط منطق الحكم الذي يرى في الحرب وسيلة بقاء،

وفي الدين اداة سلطة،

وفي الانسان رقما في بيان عسكري.

اما نحن، فسنظل نعلنها واضحة:

لا للحرب.. لا للحكم الديني.. لا للتطرف.. ولا للجهل

لان السماء واحدة، فعلا.

لكن الذين يتوهمون احتكارها كثيرون.

والأرض واحدة…

لكن الذين يقسمونها بخطابات الكراهية أكثر.

لن يسقط الوهم بسقوط خامئني

ولن ينتهي المشروع بتبدل شعار

ما لم يستبدل منطق الاشتباك بمنطق الدولة،

ومنطق التعبئة بمنطق التنمية،

ومنطق “الموت لـ…” بمنطق الحياة للجميع.

وأنا بوعي كامل أنحاز للحياة.

ولكي يكون موقفي واضحا لا لبس فيه، فإن نقدي للنظام الايراني لا يعني اصطفافا تلقائيا مع السياسات الامريكية. فالعقل الحر لا يتحرك بمنطق المحاور، ولا يقيس مواقفه بقاعدة عدو عدوي صديقي. لقد كنت، في غير موضع، ناقدة لكثير من السياسات الامريكية حين انحازت للمصلحة على حساب العدالة، وحين دعمت انظمة على حساب شعوب، وحين قدمت الاستراتيجية على الكرامة الانسانية. فالقوة، ايا كان موطنها، حين تنفصل عن الاخلاق تتحول الى عبء على العالم.

انا لا انحاز لدولة ضد اخرى، ولا لراية في مواجهة راية، بل انحاز للانسان بوصفه القيمة العليا التي يجب ان تعلو على الجغرافيا والسياسة والايديولوجيا. انحاز لحقه في الحياة الامنة، في الكرامة، في الحرية، في ان لا يكون وقودا لمشاريع كبرى تتصارع فوق راسه. موقفي ليس اختيارا بين قوتين، بل رفضا لمنطق القوة حين يدهس الانسان، ايا كان مصدره. فالعدالة لا تتجزأ، والكرامة لا تحمل جنسية، والحياة لا ينبغي ان تكون رهينة صراع امبراطوريات او مشاريع عقائدية.

المجد للإنسان.

التعليقات مغلقة.