الشرقاوي….ومفهوم هيبة الدولة…؟

الانتفاضة  // عبد العزيز بن صالح 

القول إن تراجع الحكومة عن قرار إداري يمسّ “هيبة الدولة” ليس مجرد رأي عابر، بل هو تعبير عن تصور مقلق لمعنى الدولة نفسها. لأن الدولة التي تهتز هيبتها بتعديل إجراء تنظيمي، هي دولة متخيلة أكثر مما هي دولة مؤسسات.

في النظام الدستوري المغربي، الدولة ليست الحكومة.

الدولة أوسع، أرسخ، وأعمق من أي وزير أو قرار. الدستور يحدد طبيعتها كدولة إسلامية، ويُنيط بالملك، بصفته أمير المؤمنين، مهمة صيانة المجال الديني وضمان حريته. هذه ليست عبارات رمزية، بل مرتكزات دستورية تؤطر الفعل العمومي.

أما الحكومة فوظيفتها التنفيذ والتدبير. قراراتها بطبيعتها تنظيمية، قابلة للتعديل، بل وقابلة للإلغاء قضائيا. فكيف يصبح التراجع عنها مساسا بهيبة الدولة؟

هذا الخلط يفتح بابا خطيرا: تحويل القرار الإداري إلى رمز سيادي، وتحويل مراجعته إلى هزيمة وطنية. وهنا نغادر منطق المؤسسات، وندخل منطق العصبية السياسية.

عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر ميز بوضوح بين السلطة التقليدية والسلطة القانونية-العقلانية. الدولة الحديثة لا تقوم على هيبة شخصية أو عناد رمزي، بل على شرعية قانونية قابلة للمساءلة والمراجعة. القرار ليس إعلانا عن القوة، بل أداة تنظيم.

إذا كان القرار غير موفق في تقدير حساسية مجتمعية ذات بعد ديني، فإن مراجعته ليست انكسارا، بل تصحيحا. أما الإصرار عليه فقط لتجنب شبهة “التراجع”، فهو الذي قد يمس بصورة الدولة، لأنه ينقلها من فضاء العقلانية إلى فضاء العناد.

هيبة الدولة لا تُبنى على التشبث، بل على الاتزان.

ولا تُقاس بعدد القرارات التي لا تتراجع عنها، بل بقدرتها على ضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع في إطار القانون.

الأخطر في هذا الخطاب أنه يساوي بين الحكومة والدولة، وكأن الدولة تختزل في مزاج إداري. وهذا تبسيط مخلّ، بل إهانة غير مقصودة لفكرة الدولة نفسها.

الدولة القوية لا تخاف النقد.

ولا تعتبر التراجع اعترافا بالضعف.

بل ترى في التصحيح دليلا على الثقة.

أما تصويرها ككيان يفقد هيبته كلما عدّل قرارا، فهو تعريف هش للهيبة، يجعلها قائمة على الانفعال لا على المؤسسات.

الدولة ليست شعارا.

وليست موقفا سياسيا ظرفيا.

الدولة نظام قانوني، واستمرارية، وتوازن.

ومن يربط هيبتها بعدم التراجع، يربطها بالعناد لا بالقانون.

التعليقات مغلقة.