من سرق روح كرة القدم … ولصالح من؟

الانتفاضة 

مما تندى له الأجبان، ما تحوّلت إليه كرة القدم، في كثير من الملاعب خلال السنوات الأخيرة، من مساحة للإحتفال الجماعي بالمهارة والتنافس النبيل، إلى ساحة تتسللت إليها مظاهر العنف والشغب بشكل مقلق، حيث أنّ ما كان يفترض أن يكون عرساً رياضياً يجمع الجماهير حول الشغف نفسه، أصبح في بعض المناسبات مشهداً مشحوناً بالتوتر، تُختزل فيه اللعبة في صراعات مدرجات لا علاقة لها بجوهر الرياضة.

إن تكرار حوادث الإعتداء، سواء في البطولات المحلية أو القارية أو حتى الدولية، يكشف عن أزمة أعمق من مجرد انفلات جماهيري عابر.

إننا أمام ظاهرة تهدد معنى كرة القدم ذاته: لعبة وُجدت لتقريب الشعوب، فإذا بها تتحول أحياناً إلى منصة لتفريغ الاحتقان والعنف الرمزي والمادي، فحين تُقذف القارورات بدل التصفيق، ويُستقبل اللاعبون بالعداء بدل الاحترام، فإن الخاسر الحقيقي ليس فريقاً بعينه، بل صورة الرياضة ككل.الخطورة لا تكمن فقط في الأضرار الجسدية المحتملة، بل في التطبيع التدريجي مع ثقافة العنف داخل الملاعب، حيث أنّ كل حادث يمر دون محاسبة صارمة، يرسل رسالة ضمنية بأن هذه السلوكيات يمكن احتمالها أو تبريرها تحت غطاء “الحماس”.

والحقيقة أن الحماس الرياضي لا يمكن أن يكون مرادفاً للفوضى، والإعتداء، والطعن في قيمة وتاريخ وحضارة بلد لمجرذد كونه خصما رياضي، فالفرق كبير بين التشجيع الصاخب المشروع، وبين تحويل المدرجات إلى فضاء للعدوان وتصفية الحسابات، ناهيك عن ما نجده حاضرا على منصات التواصل الإجتماعية، من تحريض وتصعيد يتخذ من الرياضة ساحة حرب لاثبات ما تم الفشل في اثباته سياسيا أو تارخيا بالنسبة للفئات المهزوزة من كلّ بلد، التي لا تمثل سوى طعم سهل لمن يخدمه مثل كذا مظاهر،

وكما هو جليّ للعيان، فإنّ المسؤولية هنا جماعية و تتوزع بين اتحادات كروية مطالبة بتشديد العقوبات، وأندية مطالبة بتأطير جماهيرها، ووسائل إعلام مطالبة بعدم تغذية خطاب الكراهية أو شيطنة الخصوم، كما أن الجماهير نفسها مدعوة لاستعادة الوعي بأن قوة الفريق لا تُقاس بقدرة أنصاره على الترهيب، بل بقدرته على الفوز داخل الملعب فقط.

كرة القدم أكبر من مباراة، وأعمق من نتيجة، هي لغة مشتركة بين ملايين البشر، وإذا فقدت بعدها الإنساني والرياضي، فإنها تتحول إلى مجرد عرض صاخب بلا روح.

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم: هل نريد ملاعب تُخرّج أجيالاً تتعلم معنى المنافسة الشريفة، أم منصات تُدرّبها على العنف المقنّع بإسم الانتماء؟

التعليقات مغلقة.