هواجس مهنية ..

CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v80), quality = 75
0

الانتفاضة // محمد خلاد

ماذا لو تركوا منصة التشريع جانبا وجلسوا إلى طاولة الرسم، وأمسكوا بالمسطرة والقلم بدل الضمير، وبالبرمجيات بدل الذاكرة المهنية، وقالوا هكذا ينبغي أن يكون المحامي؟ سيرسمونه مستقيما أكثر من اللازم، خاليا من الانفعالات التي يفرضها تنوع القضايا الإنسانية، مجردا من تلك الرعشة التي تصيب الجسد حين يتدافع الحق والخوف والترقب أثناء مناقشة القضية الواحدة.
سيجعلونه قابلا للنسخ، نسخة تشبه الأخرى، لا اختلاف في نبرة الصوت، ولا تباين في فسحة الحدس.ماذا لو صمموا المحامي بوظائف محددة: يستقبل، يكتب، يوقع يودِع، يحضر بلا أثر، ويغيب بلا مساءلة. محام يؤدي مهمة مرسومة وواضحة المعالم، لكنه لا يُزعج، يدافع دون أن يذهب بعيدا في الدفاع أو يُبدع فيه.. سيُبعدون عنه فائض الأسئلة، ويحذفون من ذاكرته تاريخ المواجهة، وينزعون من صوته تلك الحِدَّة التي جعلته دائما في خانة غير المُريح!
في التصميم الجديد، لن يكون المحامي شاهدا على العدالة، بل مجرد ملحق إجرائي في ملف القضية، وحارسا للآجال والإجراءات لا غير. لن يَسْأَلَ: لماذا وكيف؟ بل سؤاله الوحيد: هل اكتمل الشكل وتَمَّ تأثيث المشهد و حان وقت الإنصراف.
لكن ماذا عن المحاماة؟ ستغدو مساحة مغلقة، جدرانها من مواد قانونية صلدة لكنها بلا نوافذ، مهنة بلا هواء يغيب عنها ذلك الغبار النبيل الذي خلَّفته معارك الكرامة عبر تاريخها الطويل. غير أنهم ينسون، أو يتناسون، أن المحاماة لم تُولد من تصميم جامد، بل من احتكاك ناعم أحيانا وخشن في أحايين كثيرة، ومن نساء ورجال قالوا لا حين كان الصمت أكثر أمانا.
المحامي لا يُصَمَّمُ، والمحاماة إن لم تُترك قابلة للاختلاف، للتمرّد أحيانًا، وللخطأ النبيل، فهي لا تموت فجأة، بل تُعيد صياغة ذَاتِهَا، حين تُصبح لا تُشبه نَفْسَهَا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.