الانتفاضة // عبد المجيد العزيزي
ليست الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير خلال السنوات الأخيرة أحداثًا عابرة، بل امتدادًا لتاريخ طويل من التعايش القسري بين الإنسان والطبيعة. فوادي اللوكوس، الذي منح المدينة خصوبة وأمانًا في الماضي، ظل يحمل في طياته خطرًا يعيد نفسه مع كل موسم ممطر.
منذ نشأتها، ارتبطت المدينة بجغرافيتها المائية، فكانت الفيضانات جزءًا من سرديتها التاريخية، حاضرة في الذاكرة الشعبية والحكايات المتوارثة، وحتى في أنماط البناء والاستقرار. إلا أن التحولات العمرانية المتسارعة وتراجع التخطيط المجالي حولت هذه الظاهرة الطبيعية إلى تهديد مستمر، يكشف هشاشة التدبير وغياب الرؤية الاستباقية.
فيضانات تكشف أكثر مما تُغرق
لا تقتصر الفيضانات على غمر الشوارع، بل تعرّي أعطاب البنية التحتية والسياسات الحضرية. فكل موسم مطري يعيد النقاش حول فعالية قنوات التصريف ومدى احترام التوسع العمراني للخصائص الطبيعية للمجال الفيضي.
بين الذاكرة والواقع
تحمل ذاكرة سكان القصر الكبير صورًا لفيضانات قديمة، كانت تُستقبل أحيانًا كقدر طبيعي، لكنها اليوم تفرض التحرك والانتقال من التدخل الظرفي إلى التخطيط الوقائي المستدام. ارتفاع وتيرة الظاهرة وشدتها لا يسمح بالتطبيع معها بعد الآن.
مسؤولية مشتركة
معالجة إشكالية الفيضانات تتطلب مقاربة شمولية تجمع بين الدولة والجماعات الترابية والمجتمع المدني، انسجامًا مع التوجيهات الوطنية لتعزيز القدرة على الصمود وحماية الأرواح والممتلكات، وربط التنمية باحترام التوازنات البيئية.
خاتمة
القصر الكبير ليست مدينة منكوبة، بل مدينة ذات ذاكرة مائية عميقة. الفيضانات، رغم قسوتها، تظل فرصة لإعادة التفكير في نموذج التنمية المحلية، وتحويل التاريخ والجغرافيا من عبء إلى رافعة للتخطيط الواعي والمسؤول.