الانتفاضة/ أميمة السروت
أصدرت رئاسة النيابة العامة دورية جديدة تحدد ضوابط ومعايير استنطاق الأشخاص المقدمين أمام النيابات العامة، في خطوة تروم تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وتكريس حماية الحقوق والحريات خلال إحدى أكثر مراحل المسطرة الجنائية حساسية. وتأتي هذه الدورية في سياق تحديث الإطار القانوني المنظم للعدالة الجنائية، خاصة بعد التعديلات التي أدخلها القانون رقم 03.23 على قانون المسطرة الجنائية.
وأكدت الدورية، الموجهة إلى مختلف المسؤولين القضائيين بمحاكم المملكة، أن عملية الاستنطاق تشكل محطة جوهرية في المسار القضائي، باعتبارها أول اتصال مباشر بين المشتبه فيه وقاضي النيابة العامة. وهو ما يفرض، وفق الوثيقة، استحضار الأبعاد القانونية والحقوقية لهذه المرحلة، بما يضمن التوازن بين حقوق المشتبه فيهم من جهة، وحقوق الضحايا والمجتمع من جهة أخرى.
وشددت رئاسة النيابة العامة على ضرورة دراسة المحاضر المحالة بعناية، ومنح الوقائع التكييف القانوني السليم، مع الحرص على تمتيع المشتبه فيهم بكافة الحقوق المكفولة لهم قانونا. ومن بين هذه الحقوق: الإشعار بالتهم المنسوبة إليهم، والحق في التزام الصمت، وإخبار العائلة، والاتصال بمحام، فضلًا عن التأكد من سلامة ظروف الإيقاف والوضع تحت الحراسة النظرية أو الاحتفاظ بالنسبة للأحداث.
كما دعت الدورية إلى اعتماد مقاربة إنسانية ومهنية أثناء الاستنطاق، مع مراعاة أوضاع الفئات الهشة، مثل الأطفال والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة، وضحايا الجرائم. وأكدت على أهمية توفير الترجمة أو وسائل التواصل المناسبة لضمان فهم المشتبه فيهم للإجراءات المتخذة بحقهم.
وفي ما يتعلق بالقرارات القضائية، شددت الوثيقة على ترشيد اللجوء إلى الإجراءات الماسة بالحرية، وعلى اعتبار الاعتقال الاحتياطي تدبيرا استثنائيا، مع تشجيع بدائل الدعوى العمومية، مثل الصلح الزجري والعدالة التصالحية، كلما توفرت شروطها القانونية.
وتضمنت الدورية أيضا توجيهات تنظيمية لتخفيف الضغط على مكاتب التقديم بالمحاكم، من خلال ترشيد زمن الاستنطاق، وتقديم الأشخاص في أوقات مبكرة، وتوزيع الملفات بشكل يضمن سرعة البت فيها. كما حثت على تنظيم فضاءات ملائمة لاستقبال المشتبه فيهم، وفصل الأحداث عن الراشدين، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويصون الحقوق الأساسية.
ويرى متابعون أن هذه الدورية تعكس توجها مؤسساتيا نحو “أنسنة” العدالة الجنائية وتعزيز ثقة المواطنين في عمل النيابة العامة، عبر ضمان احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع. فالمحاكمة العادلة، كما تؤكد رئاسة النيابة العامة، لا تبدأ داخل قاعة المحكمة فقط، بل تنطلق منذ اللحظة الأولى للاستنطاق.
التعليقات مغلقة.