الانتفاضة//الحجوي محمد
في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، تبرز ظاهرة الإجـ.ـرام كواحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وإلحاحًا في مجتمعاتنا المعاصرة. لم تعد هذه الظاهرة مجرد سلوك فردي منحرف، بل تحولت إلى هاجس جماعي يستدعي وقفة جادة لفهم جذورها العميقة قبل إستشراف سبل إحتوائها. فما يراه البعض أرقامًا في تقارير أمنية، يراه المواطن العادي قلقًا يلامس تفاصيل يومه، مما يضع الجميع أمام مسؤولية مشتركة تقوم على التشخيص الدقيق والمعالجة الشاملة.
تعود أسباب تنامي الممارسات المخالفة للقانون إلى تشابك عوامل متعددة لا يمكن اختزالها في سبب واحد. فمن الناحية الاقتصادية، يظل الفقر والبطالة أرضًا خصبة لليأس، حيث يجد بعض الشباب أنفسهم أمام خيارات ضيقة تدفعهم في اتجاهات غير مشروعة لتأمين لقمة العيش. أما على الصعيد الاجتماعي، فإن تفكك الروابط الأسرية وتراجع دور التربية في غرس القيم يخلقان فراغًا يملؤه أحيانًا رفقاء السوء أو المؤثرون السلبيون. ولا يمكن إغفال تأثير المشاهد العنيفة في بعض المحتويات الرقمية، إضافة إلى آفة المخدرات التي تُعد محركًا رئيسيًا لكثير من جرائم السرقة والعنف. كل هذه العوامل تتداخل فيما بينها، لتحول الإنسان من عنصر بناء إلى مصدر تهديد للأمن العام.
إن انعكاسات هذه الظاهرة لا تقتصر على الضحية المباشر، بل تمتد إلى كامل النسيج المجتمعي. فالمواطن الذي يفقد شعوره بالأمان يبدأ في تقليص تحركاته واحتراسه من الآخرين، فتتراجع الثقة بين الناس وتتبخر روح التكافل. كما تتأثر البيئة الاستثمارية سلبًا في المناطق التي ترتفع فيها معدلات الجريمة، وتنشغل الدولة بتكاليف أمنية وقضائية باهظة كان يمكن توجيهها لمشاريع التنمية. إنها حلقة مغلقة يدفع ثمنها الجميع، ولهذا كانت الحاجة ملحة إلى مقاربة تتجاوز المنطق الأمني الضيق.
لحسن الحظ، تثبت التجارب العالمية الناجحة أن الحد من الإجـ.ـرام ممكن عندما تجتمع الإرادة السياسية بالفعل المجتمعي. فالحلول لا تنحصر في تكثيف الدوريات الأمنية وتحديث وسائل المراقبة، رغم أهمية ذلك. بل لا بد من موازنة ذلك بفتح مسارات حقيقية للأمل، من خلال برامج وطنية طموحة للتشغيل تستهدف المناطق الأكثر هشاشة، إلى جانب إصلاح تعليمي يعيد الاعتبار للتربية على القيم والمواطنة. كما أن دعم الأسرة ماديًا ومعنويًا لاستعادة دورها الريادي في الحماية والتوجيه يظل ركيزة أساسية، إضافة إلى تكثيف حملات التوعية بمخاطر المخدرات والإدمان الرقمي، وتوفير مراكز علاج مجانية وفعالة. ولا يمكن إغفال دور المجتمع المدني في رصد الخروقات وتقديم بدائل إيجابية للشباب في ميادين الرياضة والثقافة والتطوع.
في الختام، لن يتحقق الأمن المستدام بقوانين رادعة فقط، بل حين يشعر كل فرد في المجتمع أن لديه ما يخسره إذا انحرف، وما يربحه إذا سلك الطريق السوي. ظاهرة الإجرام ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتاج ظروف قابلة للتعديل إذا توفرت النية الصادقة والتعاون بين جميع الأطراف.
فمسؤوليتنا اليوم ليست أن نرتعد أمام الإحصاءات، بل أن نشتغل معًا على تقليص هوة اليأس التي تظل المحرك الخفي لكل خروج عن النظامن فبناء مجتمع آمن ومستقر هو مشروع وطني يتجدد كل يوم، وفيه يستثمر الجميع من دولتنا ومؤسساتنا إلى كل أسرة وفرد.
التعليقات مغلقة.