الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
ما تزال سهول قلعة السراغنة، بعمقها الفلاحي وامتداداتها الجغرافية، تحتفظ بجمر ذاكرة لم تُطفئها عقود من التحولات. فإلى جانب النسيج القبلي والذاكرة المحلية، توجد معالم صامتة تعود بزوارها إلى زمن الحماية الفرنسية، حين وجد عدد من المعمرين الأوروبيين في تربة هذه المنطقة الخصبة ضالتهم لإقامة ضيعات كبرى، استعانوا فيها بأحدث التجهيزات الزراعية التي عرفها النصف الأول من القرن العشرين.
ومن بين الأسماء التي لا تزال حاضرة بقوة في الوجدان المحلي، تبرز «فيرمة السبليوني» التي تتوسط الجماعات الترابية بين أكتاوة ومناطق الجوالة. يعود اسمها إلى المعمر الإسباني ميغيل سيبليوني، الذي حوّل هذه البقعة إلى ورشة فلاحية متكاملة. وفي جهة أخرى، وعلى أراضي الحافات، يقبع «جنان غوبير» المرتبط باسم الفلاح الأوروبي غوبير، الذي صنف كأحد كبار المستغلين الزراعيين بالمنطقة، تاركاً خلفه منشآت لا تزال تشهد على عصر غير ملامح الفلاحة المحلية.
لم تكن هاتان الضيعتان مجرد مزارع عابرة، بل شكلتا نموذجاً للفلاحة الاستيطانية بامتياز. إذ جمعتا بين المساكن الفلاحية المحصنة، والإسطبلات الواسعة، ومستودعات ضخمة لتخزين الحبوب، بالإضافة إلى ورشات مخصصة لصيانة الآلات الزراعية التي كانت تعتبر ثورية في ذلك الزمن. هذا المزيج من الهندسة والتنظيم جعل من هاتين الضيعتين مختبراً حقيقياً للحداثة الزراعية في قلب السراغنة.
ومع رحيل المستعمر وإعلان الاستقلال، لم تمح السنوات كل آثار تلك الحقبة. فما تزال بعض البنايات المهجنة، وبقايا المنشآت المائية، وأشجار معمرة شاهدة على جذور ممتدة في التراب، بل إن بعض الآليات الفلاحية الصدئة لا تزال مرمية في الحقول، وكأنها تنتظر من يعيد إليها روح الحياة.
إن «فيرمة السبليوني» و«جنان غوبير» ليسا مجرد نقطتين على خريطة النسيان، بل هما وثيقتان ماديتان مفتوحتان على تاريخ مضطرب، يتقاطع فيه الاقتصادي بالاجتماعي، والفلاحي بالسياسي. فالمحافظة على ما تبقى منهما، وتوثيقه بالصور والشهادات والأرشيف، لم يعد رفاهية أكاديمية، بل ضرورة لإنقاذ جزء من ذاكرة قلعة السراغنة وأريافها، قبل أن تبتلعها آلة البناء أو يطمسها الإهمال إلى الأبد.