عندما يتحول “تصحيح المعلومات” إلى صناعة للمغالطات..سقطة قراءة حكم المهاجري

0

الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة
من الغريب والملفت في المشهد الإعلامي الرقمي المعاصر أن تتحول بعض المنصات والصفحات، التي تدعي ممارسة “اليقظة المعلوماتية” وتصحيح الأخبار، إلى أدوات لإنتاج المغالطات وبث الالتباس، متجاوزة بذلك أبسط قواعد المهنية والنزاهة الفكرية. هذا السلوك لا يقتصر على كونه مجرد خطأ مهني عابر، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بالتوظيف السياسي والاجتماعي للمعلومة، وتحوير المعطيات القانونية الدقيقة لخدمة أجندات تصفية الحسابات أو الاستهلاك الإعلامي السطحي. ولعل ما أقدمت عليه صفحة “شيشاوة سيتي” مؤخراً، بمناسبة صدور الحكم الاستئنافي في حق البرلماني هشام المهاجري، يشكل نموذجاً صارخاً لهذه الظاهرة التي يمكن تسميتها بـ “صناعة الرواية البديلة” من خلال القراءة الانتقائية والمبتورة للوثائق القضائية الرسمية.
فقد سارعت المنصة المذكورة إلى مهاجمة المنابر الإعلامية والجهات التي نقلت خبر تبرئة المهاجري في الملف المعروف إعلامياً بـ “معارض الجديدة”، معتبرة أن تلك الأخبار مجرد “تهليل إعلامي” لا يستند إلى واقع، وحاولت تقديم نفسها في لبوس الخبير القانوني المحايد الذي يكشف “الحقيقة الغائبة”. غير أن المفارقة الصادمة، والتي أسقطت القناع عن هذا الادعاء، هي تعمد الصفحة إسقاط الفقرة الجوهرية والحاسمة من منطوق الحكم الاستئنافي، وهي الفقرة التي تحسم الجدل بشكل قطعي ولا تترك أي مجال للتأويل أو الاجتهاد الشخصي، حيث جاء في قرار غرفة الجنايات الاستئنافية المختصة في جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وبشكل حرفي لا غموض فيه: “بإلغاء القرار المستأنف فيما قضى به من إدانة في حق المتهم هشام المهاجري والحكم من جديد ببراءته من المنسوب إليه.”
أمام هذه الصيغة القانونية الصريحة والجازمة، يطرح التساؤل البديهي نفسه: أي عبارة يمكن أن تكون أكثر وضوحاً من “الحكم من جديد ببراءته”؟ إن العمل القضائي والصياغة القانونية للأحكام لا تحتمل اللبس، ومنطوق الحكم هو العنوان الحقيقي والوحيد للحقيقة القضائية في مرحلة التقاضي التي صدر فيها. بيد أن المقاربة التي اعتمدتها الصفحة المذكورة قامت على منهجية غريبة تعتمد على اجتزاء النصوص واقتطاع فقرات من سياقها العام، حيث بنت استنتاجها على معطيات تقنية صرفة مرتبطة باستمرار النظر في ملفات متهمين آخرين في نفس القضية، أو بقرار المحكمة فصل ملف أحد المتهمين وتحديد جلسة لاحقة له. وحاولت الصفحة، عبر خلط ممهج ومضلل، إسقاط هذه المسارات الإجرائية الخاصة بأطراف أخرى على الوضعية القانونية المستقلة لهشام المهاجري، على الرغم من أن المحكمة قد بتت بشكل نهائي ومستقل في شقه المتعلق بالتهم الموجهة إليه وأعلنت براءته منها.
إن هذا الأسلوب لا يمثل مجرد قصور في الفهم أو ضعف في الثقافة القانونية، بل يتعداه إلى التشكيك المتعمد في مصداقية الأخبار الصحيحة، وفي نزاهة ما يتداوله الرأي العام بناءً على وثائق رسمية. فالفرق الجوهري بين الصحافة المهنية الرصينة وبين الدعاية الموجهة المقنعة يكمن تحديداً في مدى احترام الوثيقة الأصلية والالتزام بالأمانة العلمية في نقل محتواها. وعندما يكون بين أيدينا حكم قضائي مكتوب، صادر عن هيئة قضائية عليا وفي ملف حظي بمتابعة واسعة، فإن المرجع الوحيد والملزم للجميع هو النص الحرفي للقرار، وليس التأويلات السياسية أو الخلفيات الشخصية أو الحسابات الضيقة التي تسعى إلى الإبقاء على حبل الإدانة مشدوداً حول عنق الشخص حتى بعد أن برأه القضاء.
ولم تقف المحكمة في قرارها الاستئنافي عند حدود إلغاء الإدانة الجنائية وحسب، بل ذهبت إلى تصفية كافة الآثار التبعية للحكم الابتدائي الصادر سابقاً بالإدانة، حيث قضت بإلغاء ما كان قد تقرر من تعويضات مالية في مواجهة هشام المهاجري، وحكمت من جديد بعدم اختصاص القضاء الجنائي في المطالب المدنية المقدمة ضده. هذا المقتضى القضائي الإضافي يؤكد بالعبارة الملموسة أن الغرفة الاستئنافية لجرائم الأموال قد قامت بإعادة تقييم شاملة وموضوعية للوضعية القانونية للمتهم، وراجعت كافة أدلة الاتهام وصكوك المتابعة، لتخلص في نهاية المطاف إلى نتيجة مغايرة تماماً للقناعة التي بني عليها الحكم الابتدائي، وهي النتيجة التي تتلخص في كلمة واحدة وثابتة: البراءة التامة من كل ما نسب إليه.
من حق أي منصة إعلامية، ومن حق الرأي العام بصفة عامة، أن يمارس حقه في النقد والمساءلة، فلا أحد فوق النقد، ولا أحد يتمتع بالحصانة أمام التقييم الإعلامي والسياسي، والمعارك السياسية والاختلافات الحزبية أو الشخصية مع هشام المهاجري أو غيره من الشخصيات العامة هي أمر مشروع وتدخل في باب حرية التعبير والتدافع الديمقراطي. لكن النقد يفقد عذريته ومصداقيته ويتحول إلى تشهير وافتراء عندما يتأسس على تزييف الحقائق الصلبة وقراءة مبتورة للوثائق الرسمية. إن الاختلاف السياسي مع شخص ما لا يبرر أبداً القفز على حقيقة قضائية ناطقة بالبراءة، وتدبيج مقالات وتدوينات توحي للقارئ بعكس ما قررته المحكمة علانية وباسم الملك وطبقاً للقانون.
إن القضية اليوم تتجاوز شخص البرلماني المعني بالملف، لتطرح مسألة مبدئية تتعلق بمدى احترام “الحقيقة القانونية” وأخلاقيات العمل الإعلامي في الفضاء الرقمي. فعندما تنصب منصة نفسها حكما ومصححا ومحاربا للأخبار الزائفة، ثم تقع هي نفسها في فخ إنتاج التزييف وتجاهل الفقرات الحاضنة للحقيقة في صلب الأحكام، فإننا نصبح أمام ظاهرة خطيرة تهدد الأمن الإعلامي للمواطن. هذا السلوك يساهم في نشر الضبابية وخلط الأوراق، ويجعل القارئ البسيط ضحية لروايات مصطنعة لا تصمد للحظة واحدة أمام أبسط إطلاع على متن الوثيقة الأصلية.
إن النقاش في هذه النازلة لم يكن يوما حول تفسير قانوني معقد يحتمل أوجه متعددة، أو حول عبارات فضفاضة قابلة للتأويل ومفتوحة على قراءات فقهية متباينة، بل كان ولا يزال يدور حول نص قضائي جلي، ساطع، ومكتوب بلغة الضاد بعبارة لا تحتمل الشك: “الحكم من جديد ببراءته من المنسوب إليه”. وكل محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة الصارخة، أو القفز عليها عبر إثارة تفاصيل إجرائية تهم أطرافا أخرى في الملف، لا يمكن تصنيفها في خانة العمل الصحفي التنويري أو تصحيح الأخبار، بل هي ابتعاد ممنهج عن الحقيقة، وسقوط مهني مدوٍّ يكشف كيف يمكن للخصومة أن تعمي البصيرة المهنية وتدفع نحو صناعة الوهم والترويج له ضداً على منطق القانون والواقع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.