غياب المحامي لا يبرر انتهاك الحق في الدفاع

تعليق على قرار غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالعيون عدد 146 الصادر بتاريخ 9 يوليوز 2026 في الملف عدد 177/2610/2026 -

0

الانتفاضة/ الدكتور أكونتر سعيد (محام بهيئة المحامين بمراكش و ورزازات)
مقدمة
صدر عن غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالعيون القرار عدد 146 بتاريخ 9 يوليوز 2026، في الملف الجنائي عدد 177/2610/2026، وقضى بمؤاخذة متهمة من أجل المشاركة في تنظيم وتسهيل خروج أشخاص من التراب الوطني بصفة سرية واعتيادية في إطار عصابة منظمة، والحكم عليها بسنتين حبسا، منها ثلاثة أشهر نافذة والباقي موقوف التنفيذ، وغرامة نافذة قدرها 50.000 درهم، مع الصائر والإكراه البدني في الأدنى.
وتفيد وقائع القرار أن المتهمة كانت معتقلة احتياطيا منذ 15 أبريل 2026، وأنها حضرت الجلسة عن بعد من السجن المحلي بالعيون، وأشعرت بحقها في اختيار محام، فتنازلت عن ذلك. كما تخلف المحامي المعين لمؤازرتها في إطار المساعدة القضائية، في ظرف اتسم بتوقف وطني للمحامين عن تقديم الخدمات المهنية وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية احتجاجا على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم المهنة.
وبعد تعذر حضور المحامي، اعتبرت المحكمة القضية جاهزة، واستمعت إلى المتهمة والشاهدة، ثم قدمت النيابة العامة ملتمسها الرامي إلى الإدانة، ومنحت المتهمة الكلمة الأخيرة، قبل أن تحجز الملف للمداولة وتصدر قرارها في اليوم نفسه.
وقد اعترفت المحكمة في تعليلها بأن المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية تجعل مؤازرة المحامي إلزامية في الجنايات، وأن المادتين 317 و423 تلزمان بتعيين محام بديل عند غياب المحامي المختار أو المعين. لكنها اعتبرت أن المادة 316 لم ترتب جزاء صريحا على مخالفتها، وأن المحكمة استنفدت جميع الوسائل القانونية لتوفير المؤازرة، وأن استمرارية مرفق العدالة والحق في البت داخل أجل معقول والوضع الصحي للمتهمة تبرر مواصلة المحاكمة دون دفاع.
وهكذا يطرح القرار إشكالية مركزية يمكن صياغتها على النحو الآتي:
هل يجوز لغرفة الجنايات، في ظل توقف جماعي للمحامين وتعذر حضور المحامي المعين في إطار المساعدة القضائية، أن تواصل المحاكمة وتبت في الجوهر دون دفاع، أم إن إلزامية المؤازرة في الجنايات تظل قاعدة من النظام العام الإجرائي لا يسقطها تنازل المتهمة ولا الظرف الاحتجاجي الجماعي للسادة المحامين؟
وتقتضي الإجابة تحليل إلزامية المؤازرة في ضوء القانون الجديد للمسطرة الجنائية ونقد الأساس القانوني الذي اعتمده القرار في مطلب أول، ثم تقييم الحل في ضوء الجزاء الإجرائي والعمل القضائي المغربي والمقارن والمعايير الكونية للمحاكمة العادلة في مطلب ثان.
المطلب الأول: مخالفة القرار موضوع التعليق لمقتضيات المؤازرة الإلزامية في ضوء قانون المسطرة الجنائية المعدل.
يقتضي تقييم القرار موضوع التعليق الانطلاق من النصوص الوطنية المنظمة لمؤازرة المحامي أمام غرفة الجنايات، للوقوف على طبيعة هذه المؤازرة ومدى إمكان التنازل عنها. لذلك سنبحث مدى انسجام تعليل المحكمة مع المواد 316 و317 و421-1 و423 من قانون المسطرة الجنائية، ثم نناقش المبررات التي اعتمدتها لمواصلة المحاكمة في غياب الدفاع.
الفقرة الأولى: مؤازرة المحامي في الجنايات التزام قانوني لا مجرد حق اختياري.
يقتضي تحديد مدى مشروعية محاكمة المتهمة دون دفاع الوقوف أولا على الطبيعة القانونية لمؤازرة المحامي في الجنايات، والتمييز بين حق المتهم في اختيار محام وبين إلزامية حضور الدفاع. لذلك سنحلل المواد 316 و317 و421-1 و423 من قانون المسطرة الجنائية، ومدى إمكان التنازل عن الضمانة التي تقررها.
أولا: وضوح المادة 316 وعدم قابليتها للتأويل المخالف
تنص المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية على أن مؤازرة المحامي تكون إلزامية في الجنايات أمام غرفة الجنايات. وقد بقي هذا المقتضى قائما بعد دخول القانون رقم 03.23 حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025، أي قبل صدور القرار موضوع التعليق.1
واستعمال المشرع لعبارة “إلزامية” يفيد أن حضور المحامي ليس مجرد حق شخصي يمكن للمتهم استعماله أو التنازل عنه، وإنما هو شرط قانوني لصحة سير المحاكمة في المادة الجنائية.
فالمشرع ميز بين الحق في اختيار المحامي وبين إلزامية المؤازرة. بحيث يملك المتهم التنازل عن اختيار محام بعينه، لكنه لا يملك إسقاط النظام الإجرائي الذي أوجب حضور الدفاع في الجنايات. وإذا لم يختر محاميا، انتقل واجب التعيين إلى السلطة القضائية.
ومن ثم، فإن تنازل المتهمة الوارد في القرار لا يمكن أن ينصب إلا على اختيار محام من جانبها، ولا يمكن أن يمتد إلى إسقاط وجوب تعيين محام يؤازرها. والقول بغير ذلك يجعل إلزامية المادة 316 اختيارية بإرادة المتهم، وهو ما يناقض صريح النص.
ويزداد هذا الاستنتاج قوة بالنظر إلى أن المحكمة لم تكتف بتسجيل تنازل المتهمة، بل أشارت في الوقت نفسه إلى وجود محام معين في إطار المساعدة القضائية. وهذا يعني أن المحكمة نفسها كانت تعتبر أن التنازل عن الاختيار لا يعفيها من ضمان حضور الدفاع.
ثانيا: القانون الجديد أقام ثلاث حلقات متكاملة لضمان حضور الدفاع.
لم يكتف القانون رقم 03.23 بالإبقاء على المادة 316، بل عززها بمقتضيات تجعل تعيين الدفاع ومراقبة حضوره واجبا في مراحل متعددة.
فالمادة 421-1 المضافة بموجب القانون الجديد تنص على تعيين مستشار مكلف بتجهيز القضية بمجرد إحالتها على غرفة الجنايات، ومن بين مهامه تعيين محام في إطار المساعدة القضائية إذا لم يختر المتهم محاميا.
وتنص المادة 317 على أنه إذا لم يتم اختيار محام أو تعيينه، أو تخلف المحامي المختار أو المعين عن حضور المناقشات، أو رفض القيام بمهمته أو وضع حدا لها، فإن رئيس الجلسة يعين على الفور محاميا آخر في الحالات التي تكون فيها المؤازرة إلزامية.
أما المادة 423، بصيغتها المعدلة بالقانون الجديد، فقد أوجبت على رئيس الجلسة التأكد من حضور محامي المتهم، وفي حالة غيابه تعيين محام آخر تلقائيا في إطار المساعدة القضائية.
وهكذا وضع المشرع ثلاث ضمانات متتابعة كما يلي:
تعيين المحامي أثناء تجهيز القضية طبقا للمادة 421-1.
تعيين محام آخر فورا عند تخلف المحامي الأول طبقا للمادة 317.
تحقق رئيس الجلسة من حضور الدفاع وتعيين بديل تلقائيا طبقا للمادة 423.
ولا تتضمن هذه المواد أي استثناء يجيز مواصلة محاكمة المتهم في جناية دون دفاع بسبب توقف المحامين أو رفضهم الحضور. لذلك لم تكن المحكمة أمام سكوت تشريعي، وإنما أمام مقتضيات متكررة تحاصر احتمال انعقاد الجلسة دون محام.
ثالثا: المادة 317 ليست استثناء من الإلزامية.
اعتبر القرار موضوع التعليق أن المادة 317 “وضعت استثناءات” على حالة عدم اختيار المحامي أو تخلفه، وأنها “أجازت” لرئيس الجلسة تعيين محام آخر.
وهذا التفسير يقلب وظيفة المادة رأسا على عقب. فالمادة 317 لم تضع استثناء من إلزامية المؤازرة، بل وضعت علاجا لغياب المحامي حتى لا تنعقد المحاكمة من دونه.
كما أن النص لم يستعمل عبارة تفيد الجواز، بل أوجب على رئيس الجلسة تعيين محام آخر “على الفور”. وتؤكد المادة 423 الاتجاه نفسه باستعمالها عبارة التعيين التلقائي.
وبذلك يكون القرار قد حول الالتزام بالتعيين إلى مجرد رخصة، ثم استعمل عدم نجاح الرخصة المزعومة لتبرير تجاوز القاعدة الأصلية. وهو استدلال لا ينسجم مع ألفاظ النص ولا مع غايته.
رابعا: عدم صلاحية المادة 385 أساسا لتنازل المتهمة.
أشار القرار إلى إشعار المتهمة بحقها في اختيار محام طبقا للمادة 385 من قانون المسطرة الجنائية. غير أن هذه المادة تندرج ضمن الأحكام المنظمة للمحاكمة أمام المحكمة الابتدائية في القضايا الجنحية، وترتبط بحالة التقديم الفوري المنصوص عليها في المادة 74.
أما القضية موضوع القرار فهي قضية جنائية معروضة على غرفة الجنايات بناء على أمر بالإحالة صادر عن قاضي التحقيق، وتخضع للمواد 316 وما يليها.
ويكشف الاستناد إلى المادة 385 عن خلط بين نظامين مختلفين: نظام المؤازرة الاختيارية كأصل في بعض الجنح، ونظام المؤازرة الإلزامية في الجنايات. ولا يمكن استعمال مقتضى خاص بالمسطرة الجنحية لإنتاج تنازل عن ضمانة فرضها المشرع في المسطرة الجنائية.

الفقرة الثانية: قصور المبررات التي اعتمدها القرار لمواصلة المحاكمة.
بعد تحديد الطبيعة الإلزامية لمؤازرة المحامي، يتعين فحص المبررات التي استندت إليها المحكمة لمواصلة المحاكمة في غياب الدفاع. ولذلك سنناقش مدى سلامة القول بعدم وجود جزاء، وحجية التنازل الصادر عن المتهمة، والاستناد إلى المادة 39 من قانون مهنة المحاماة، ثم مدى كفاية اعتبارات الأجل المعقول واستمرارية مرفق العدالة لتجاوز إلزامية المؤازرة.
أولا: خطأ حصر الجزاء داخل المادة 316 وإغفال القاعدة العامة الواردة في المادة 751.
اعتبرت المحكمة أن المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية، رغم إقرارها إلزامية مؤازرة المحامي في قضايا الجنايات، لم ترتب جزاء صريحا على مخالفة هذه الإلزامية. غير أن هذا التعليل يقوم على قراءة مجزأة للنص، لأنه عزل المادة 316 عن باقي المقتضيات المنظمة لصحة الإجراءات والجزاء المترتب عن الإخلال بها.
فالمادة 751 من قانون المسطرة الجنائية، في صيغتها المعدلة بالقانون رقم 03.23، تقرر قاعدة عامة مفادها أن كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأن لم ينجز ولا يعتد به، وذلك مع مراعاة مقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 442 المتعلقة بجلسات غرفة الجنايات. وأضاف المشرع فقرة ثانية مهمة جدا تنص على أن الجهة القضائية المختصة ترتب الجزاء المذكور.
والواقع أن قاعدة اعتبار الإجراء غير المنجز قانونا كأن لم ينجز كانت قائمة قبل صدور القانون رقم 03.23، بينما تمثلت الإضافة الأساسية لهذا القانون في إسناد ترتيب الجزاء صراحة إلى الجهة القضائية المختصة. وهو تعديل يؤكد أن عدم التنصيص على جزاء خاص داخل كل مادة لا يعني أن القاعدة الإجرائية أصبحت اختيارية أو مجردة من كل أثر.
ولا تحول الإحالة على الفقرة الثالثة من المادة 442 دون تطبيق هذا الجزاء في النازلة. فهذه الفقرة تقيم قرينة على أن الإجراءات القانونية المتعلقة بسير جلسات غرفة الجنايات قد استكملت، لكنها قرينة قابلة لإثبات العكس، وتسقط إذا ورد في محضر الجلسة أو في القرار نفسه أو في طلب يرمي إلى تسجيل ذلك ما يستنتج منه صراحة عدم استكمال تلك الإجراءات.
وفي النازلة موضوع التعليق، لا يتعلق الأمر بإجراء سكت عنه المحضر أو تعذر التحقق من إنجازه، بل إن القرار نفسه أثبت غياب المحامي وصرح بمواصلة المحاكمة دون دفاع. وبذلك تكون قرينة استكمال الإجراءات المنصوص عليها في المادة 442 قد سقطت بما أثبته القرار ذاته، ولا يمكن للمحكمة الاستناد إليها لافتراض احترام إجراء أقرت صراحة بعدم إنجازه.
كما أن الإجراء الذي أمر به القانون لا يقتصر على مجرد سؤال المتهمة عما إذا كانت ترغب في اختيار محام، وإنما يشمل وجوب مؤازرتها فعليا، والتحقق من حضور محاميها، ثم تعيين محام آخر تلقائيا عند تخلفه، طبقا للمواد 316 و317 و423. فإذا ثبت عدم حضور الدفاع وعدم تعيين بديل عنه، فإن الإجراء الذي أوجبه القانون يكون غير منجز على الوجه القانوني، ويخضع من حيث المبدأ للجزاء المقرر في المادة 751.
ولا يمكن فصل هذا الإخلال عن المناقشات التي جرت بعده، لأن حضور المحامي ليس إجراء شكليا مستقلا يمكن استبعاده مع الإبقاء على باقي المسطرة، بل هو ضمانة تؤطر استنطاق المتهمة ومناقشة وسائل الإثبات وتقديم الدفوع والطلبات والمرافعات. ولذلك فإن إجراء المناقشات كلها في غياب الدفاع يجعل العيب ممتدا إلى جوهر المحاكمة والقرار المبني عليها.
وعليه، فقد خلط القرار بين عدم ورود جزاء خاص داخل المادة 316 وبين عدم وجود أي جزاء في قانون المسطرة الجنائية. وانتقل من مقدمة صحيحة، تتمثل في أن المادة المذكورة لم تستعمل لفظ البطلان، إلى نتيجة غير صحيحة، مؤداها إمكان مخالفة إلزامية المؤازرة. والحال أن المادة 751 وضعت جزاء عاما، وأن المادة 442 لا تحول دون تطبيقه متى كان عدم استكمال الإجراء ثابتا من القرار نفسه.
وكان يتعين على المحكمة، بدلا من نفي وجود الجزاء، أن ترتب الأثر القانوني المترتب عن عدم تعيين محام بديل، أو أن تبين بأسباب قانونية دقيقة لماذا لا يمتد هذا الأثر إلى المناقشات والقرار. أما تجاهل المادة 751 وقراءة المادة 316 بصورة منفردة، فيشكل قصورا في الجمع بين النصوص الواجبة التطبيق، ويجعل التعليل غير كاف لتبرير محاكمة متهمة في قضية جنائية دون دفاع فعلي.
ويتضح من الجمع بين المواد 316 و423 و442 و751 من قانون المسطرة الجنائية أن تعليل القرار موضوع التعليق لا يستقيم قانونا. فإلزامية المؤازرة لا تستمد قوتها من المادة 316 وحدها، وإنما تتكامل مع المادة 423 التي تلزم الرئيس بالتأكد من حضور محامي المتهم، وتوجب عليه، عند غيابه، تعيين محام آخر تلقائيا في إطار المساعدة القضائية. وبذلك لا يتعلق الأمر بمجرد حق متروك لإرادة المتهمة، بل بإجراء قانوني ملزم يقع عبء ضمانه على المحكمة.
ولا يمكن الاستناد إلى عدم استعمال المادة 316 لعبارة “تحت طائلة البطلان” للقول بصحة المحاكمة دون محام. فهذا الاستدلال يخلط بين غياب الجزاء الخاص وغياب الجزاء مطلقا. فقد وضع المشرع في المادة 751 قاعدة عامة تقضي بأن كل إجراء يأمر به قانون المسطرة الجنائية ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأن لم ينجز ولا يعتد به. ومن ثم، لم يكن من الضروري تكرار الجزاء داخل كل مادة تقرر إجراء إلزاميا.
كما لا تسعف الفقرة الثالثة من المادة 442 المحكمة في تبرير موقفها. صحيح أن هذه المادة تفترض استكمال الإجراءات المقررة قانونا لسير جلسات غرفة الجنايات، غير أن هذه القرينة تسقط متى ورد في محضر الجلسة أو القرار نفسه ما يدل صراحة على عدم استكمالها. وفي النازلة، أثبت القرار غياب المحامي ومواصلة المحاكمة رغم ذلك، مما يجعل عدم إنجاز المؤازرة ثابتا من القرار نفسه، وليس مجرد ادعاء يحتاج إلى الإثبات.
والأهم أن العيب لا يقتصر على عدم تعيين محام بديل بوصفه إجراء منفصلا، بل يمتد إلى المناقشات كلها. فالمحامي يساهم في مراقبة شرعية الاستنطاق، ومناقشة وسائل الإثبات، وإثارة الدفوع، وتقديم الطلبات، ومواجهة ملتمسات النيابة العامة، والمرافعة بشأن التكييف والعقوبة. لذلك لا يمكن استبعاد المؤازرة والإبقاء على المناقشات باعتبارها صحيحة، لأن الدفاع عنصر بنيوي في المحاكمة الجنائية وليس مجرد إجراء تكميلي.
ولا يغير تنازل المتهمة عن اختيار محام من هذه النتيجة، لأن التنازل عن اختيار محام معين لا يساوي التنازل عن المؤازرة الإلزامية ذاتها. كما أن التنازل عن ضمانة أساسية، على فرض جوازه، يجب أن يكون صريحا وحرا ومستنيرا، وألا يتعارض مع نص يجعل حضور الدفاع واجبا على المحكمة نفسها. وفي قضايا الجنايات، لا تملك المتهمة ولا المحكمة تحويل المؤازرة الإلزامية إلى مؤازرة اختيارية.
وعليه، كان يتعين على المحكمة إما تعيين محام بديل وتمكينه من مهلة كافية لإعداد الدفاع، وإما تأخير القضية إلى جلسة قريبة مع اتخاذ ما يلزم بشأن الوضع الصحي والاعتقال الاحتياطي للمتهمة. أما مواصلة المناقشات دون دفاع، بدعوى عدم وجود جزاء خاص في المادة 316، فتعكس قراءة مبتورة للنصوص وتؤدي إلى تعطيل المادة 751 بدل تطبيقها.
وبذلك يمكن توجيه النقد إلى القرار على ثلاثة مستويات مترابطة: خرق قاعدة المؤازرة الإلزامية، وسوء تطبيق المادة 751، وفساد التعليل الناتج عن عدم الجمع بين النصوص الواجبة التطبيق. وبالنظر إلى أن الإخلال مس ضمانة جوهرية أثرت في المحاكمة بأكملها، فإن الجزاء الأقرب إلى منطق النصوص هو عدم الاعتداد بالمناقشات المنجزة دون دفاع وما ترتب عنها، وليس مجرد اعتبار تعيين المحامي إجراء ناقصا يمكن تجاوزه.
ثانيا: المادة 442 لا تصحح الإجراء بل تثبت عدم استكماله.
تنص الفقرة الثالثة من المادة 442 من قانون المسطرة الجنائية على افتراض استكمال الإجراءات المقررة قانونا لسير جلسات غرفة الجنايات. غير أن هذه القرينة ليست مطلقة، بل تسقط إذا ورد في محضر الجلسة أو في القرار أو في طلب يرمي إلى تسجيل ذلك ما يستنتج منه صراحة عدم استكمال تلك الإجراءات.
وفي النازلة موضوع التعليق، لا يحتاج غياب الدفاع إلى إثبات خارجي، لأن القرار نفسه سجل تخلف المحامي المعين، وأثبت أن المحكمة واصلت مناقشة القضية دون حضور أي محام يؤازر المتهمة. وبذلك يكون عدم استكمال إجراء المؤازرة ثابتا من القرار ذاته.
ولا يمكن للمحكمة أن تستفيد من قرينة استكمال الإجراءات بعد أن أثبت قرارها الواقعة التي تنفيها. فالقرينة الواردة في المادة 442 وضعت لتغطية سكوت المحضر أو القرار عن تفاصيل الإجراءات التي يفترض إنجازها، لا لتصحيح إجراء ثبت صراحة عدم القيام به.
كما أن ما تم إغفاله لا يتعلق بإجراء ثانوي، بل بضمانة جوهرية أوجبها القانون. فالمادة 423 تلزم رئيس غرفة الجنايات بالتأكد من حضور محامي المتهم، وتأمره، عند تغيبه، بتعيين محام آخر تلقائيا في إطار المساعدة القضائية. ومن ثم، فإن تسجيل غياب المحامي دون إثبات تعيين بديل يشكل في ذاته دليلا على عدم استكمال الإجراء الذي أمر به القانون.
وعليه، فإن الإحالة الواردة في المادة 751 على الفقرة الثالثة من المادة 442 لا تعفي المحكمة من ترتيب الجزاء، بل تؤكد انطباقه في هذه النازلة. فالمادة 751 تستبعد الإجراء الذي لم ينجز على الوجه القانوني، والمادة 442 تحدد وسيلة إثبات هذا النقص، التي تحققت هنا باعتراف القرار نفسه باستمرار المحاكمة دون دفاع.
وبذلك، لا يمكن للمادة 442 أن تشكل سندا لتصحيح المحاكمة، بل تصبح حجة على عدم اكتمالها. والقول بخلاف ذلك يؤدي إلى نتيجة متناقضة، تتمثل في اعتبار إجراءات الجلسة مستكملة قانونا استنادا إلى قرار يثبت صراحة أن أحد أهم إجراءاتها الإلزامية لم ينجز.
ثالثا: المادة 39 من قانون مهنة المحاماة لا تنشئ استثناء من إلزامية الدفاع ولا تصحح المحاكمة.
استند القرار موضوع التعليق إلى المادة 39 من القانون رقم 28.08 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، التي تنص على أنه لا يجوز للمحامين أن يتفقوا، متواطئين فيما بينهم، على التوقف كليا عن تقديم المساعدات الواجبة عليهم إزاء القضاء، سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات. 2
غير أن الاستناد إلى هذا النص لتبرير مواصلة المحاكمة دون دفاع يقوم على خلط بين مجالين قانونيين مختلفين. فالمادة 39 تنظم الواجبات المهنية للمحامين، وتحدد السلوك المحظور عليهم في علاقتهم بالقضاء، بينما تنظم المواد 316 و317 و423 من قانون المسطرة الجنائية شروط صحة المحاكمة وضمانات المتهم أمام غرفة الجنايات. ولا يتضمن قانون مهنة المحاماة أي مقتضى يجيز للمحكمة تجاوز المؤازرة الإلزامية إذا أخل المحامي أو الهيئة المهنية بالتزاماتهما.
وحتى على فرض أن التوقف الجماعي يندرج ضمن المنع الوارد في المادة 39، فإن الأثر القانوني المحتمل لذلك يظل محصورا في مجال المسؤولية المهنية والتأديبية. فالمادة 61 من القانون نفسه تجيز مساءلة المحامي تأديبيا عن مخالفة النصوص القانونية أو التنظيمية أو قواعد المهنة وأعرافها. أما صحة المحاكمة الجنائية فتظل خاضعة لقانون المسطرة الجنائية، ولا يمكن تصحيح الإخلال بضمانة إجرائية آمرة عن طريق الاستناد إلى مخالفة مهنية منسوبة إلى المحامين.
ومن ثم، يجب الفصل بين سؤالين مستقلين: أولهما يتعلق بمدى مشروعية التوقف الجماعي للمحامين ومدى مطابقته للمادة 39 من قانون المهنة، وثانيهما يتعلق بمدى جواز محاكمة متهمة في قضية جنائية دون دفاع. وأيا كانت الإجابة عن السؤال الأول، فإنها لا تحسم السؤال الثاني، لأن النص الذي يقرر واجبا على المحامين لا ينشئ، بمجرد مخالفته، استثناء من قاعدة المؤازرة الإلزامية.
كما أن ترتيب هذا الأثر يؤدي إلى تحميل المتهمة نتائج نزاع مهني ومؤسساتي لم تكن طرفا فيه ولم تساهم في حدوثه. فلا يجوز أن تتحول محاكمتها دون دفاع إلى جزاء غير مباشر عن موقف اتخذته مؤسسات المحاماة. فالجزاء، إن كان له محل، لا يجب أن تتحمله المتهمة التي قرر القانون المؤازرة لحمايتها.
ولا يملك القضاء إنشاء استثناء من إلزامية الدفاع بطريق القياس أو الاستنتاج من قانون مهني. فالاستثناءات الواردة على الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة يجب أن تكون صريحة، وأن تفسر تفسيرا ضيقا. والمادة 39 لم تمنح المحكمة سلطة مواصلة المحاكمة دون محام، ولم تعدل مقتضيات المواد 316 و317 و423، ولم ترتب على مخالفتها سقوط حق المتهم في الدفاع.
ويظهر التناقض الداخلي في تعليل القرار حين قرر، من جهة، أن تخلف المحامي لا يرتبط بمصلحة المتهمة ولا بحقها في الدفاع، ثم رتب عليه، من جهة أخرى، النتيجة الأشد مساسا بمصلحتها، وهي محاكمتها وإدانتها دون مؤازرة. فإذا كان التخلف منفصلا عن إرادة المتهمة، كان الواجب حمايتها من نتائجه لا تحميلها تبعاته.
وعليه، فإن المادة 39 قد تصلح لتقييم السلوك المهني للمحامين، لكنها لا تصلح سندا لتصحيح المحاكمة أو لاستبعاد القواعد الآمرة المنظمة لحضور الدفاع. وقد أخطأ القرار حين نقل أثرا محتملا من مجال المسؤولية المهنية إلى مجال صحة الإجراءات الجنائية، ورتب على مخالفة منسوبة إلى الغير سقوط ضمانة مقررة لفائدة المتهمة.
رابعا: الموازنة بين الأجل المعقول وحقوق الدفاع قامت على تعارض غير لازم.
استند القرار موضوع التعليق إلى الفصل 120 من الدستور، الذي ينص على أن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، كما يضمن حقوق الدفاع أمام جميع المحاكم.
غير أن القرار تعامل مع الحق في البت داخل أجل معقول وحقوق الدفاع كما لو كانا ضمانتين متعارضتين، لا يمكن احترام إحداهما إلا بالتضحية بالأخرى. والحال أن الفصل 120 جمع بينهما ضمن منظومة واحدة للمحاكمة العادلة، بما يفيد تكاملهما لا تعارضهما. فالأجل المعقول لا يبرر إهدار حقوق الدفاع، كما لا يجوز استعمال حقوق الدفاع وسيلة لإطالة الإجراءات دون مبرر.
والحق في صدور الحكم داخل أجل معقول لا يعني صدور حكم سريع بأية وسيلة، وإنما يعني الفصل في القضية خلال مدة تتناسب مع طبيعتها وتعقيدها، وفي إطار مسطرة تحترم جميع الضمانات القانونية. فالسرعة لا تصبح قيمة قضائية إلا إذا اقترنت بصحة الإجراءات، أما إذا تحققت على حساب الدفاع، فإنها تتحول من ضمانة للمتهم إلى سبب للمساس بحقوقه.
والثابت أن المتهمة كانت معتقلة منذ 15 أبريل 2026، وأن القرار صدر بتاريخ 9 يوليوز 2026، أي بعد حوالي خمسة وثمانين يوما من الاعتقال. ورغم أن وضعية الاعتقال تفرض على المحكمة عناية خاصة وتسريع النظر في القضية، فإن القرار لم يبين وجود أجل قانوني وشيك الانتهاء، أو خطر تقادم، أو احتمال اندثار دليل، أو أي ظرف محدد يجعل البت في الجلسة نفسها ضرورة لا تحتمل تأخيرا قصيرا.
أما الاستناد إلى الوضع الصحي للمتهمة لتبرير التعجيل بالمحاكمة، فيقلب وظيفة هذه المعطيات. فخطورة حالتها الصحية لا تقلل من حاجتها إلى الدفاع، بل تزيدها، لأنها قد تؤثر في قدرتها على التركيز وفهم الأسئلة واستيعاب المناقشات ومواجهة الشاهدة ومناقشة الأدلة التقنية والقانونية المقدمة ضدها. وكان يتعين على المحكمة أن تتحقق من قدرتها الصحية على المشاركة الفعلية في المحاكمة قبل اعتبار حالتها سببا لمواصلتها دون محام.
وإذا كان استمرار الاعتقال، مقترنا بالوضع الصحي، هو مصدر الاستعجال، فإن قانون المسطرة الجنائية كان يتيح للمحكمة بدائل أقل مساسا بحقوق الدفاع. فالمادة 299 تخول الهيئة القضائية، تلقائيا أو بناء على طلب، البت في مدى استمرار الاعتقال الاحتياطي أو تدابير المراقبة القضائية. وكان بإمكان المحكمة مراجعة ضرورة استمرار الاعتقال، أو منح الإفراج المؤقت عند توفر شروطه، أو إخضاع المتهمة لتدبير ملائم من تدابير المراقبة القضائية، إلى جانب اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان الرعاية الصحية وتأخير القضية لمدة محددة.
كما كان يتعين، بالنظر إلى الوضع الصحي والاجتماعي الخاص للمتهمة، بيان الأسباب التي تجعل استمرار اعتقالها ضروريا ومتناسبا. غير أنه لا يصح معالجة ما قد يترتب عن الاعتقال من استعجال وضغط زمني عن طريق اختصار ضمانات المحاكمة، لأن ذلك يؤدي إلى حل مشكلة ناتجة عن تقييد الحرية بإنقاص حق آخر هو الحق في الدفاع.
ويظهر التناقض في تعليل القرار في كونه استند إلى الفصل 120 لتبرير مواصلة المحاكمة، مع أن الفصل نفسه يضمن حقوق الدفاع دون تمييز بين المحاكم. فإذا كان الأجل المعقول وحقوق الدفاع مضمونين بالنص الدستوري ذاته، فلا يجوز الاستناد إلى الشق الأول لتعطيل الشق الثاني.
وعليه، فإن الموازنة التي أجراها القرار لم تكن بين حقين متعارضين، بل انتهت إلى التضحية بضمانة جوهرية رغم وجود بدائل إجرائية أقل مساسا بها. وكان الحل المتناسب يتمثل في الجمع بين تسريع المسطرة وتوفير دفاع فعلي، لا في تحويل الأجل المعقول إلى مبرر لمحاكمة متهمة في جناية دون محام.
ومن خلال ما تقدم، يتبين أن القرار موضوع التعليق يثير تحفظات جدية بشأن سلامة أساسه القانوني ومدى احترامه للمقتضيات المنظمة لإلزامية المؤازرة وضمانات المحاكمة العادلة. وهو ما يدفع إلى التساؤل عن مدى انسجام الحل الذي انتهى إليه مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، والعمل القضائي المغربي، والتجارب المقارنة، وهو ما سنبحثه في المطلب الموالي.
المطلب الثاني: عدم انسجام القرار موضوع التعليق مع المعايير الدولية والعمل القضائي المغربي والقانون المقارن.
بعد تحديد موقف القانون المغربي من إلزامية مؤازرة المحامي، يقتضي استكمال التعليق تقييم القرار في اجتهاد محكمة النقض المغربية، ثم نقارنه بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة وبالحلول المعتمدة في بعض الأنظمة والتجارب المقارنة.
الفقرة الاولى: تعارض القرار مع المعايير الدولية واجتهاد محكمة النقض المغربية.
تمثل الاتفاقيات الدولية والاجتهادات الحقوقية مرجعا أساسيا لتفسير ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع. لذلك سنقيم القرار في ضوء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتعليق العام رقم 32 للجنة حقوق الإنسان، واجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. ولا يكتمل تقييم القرار إلا باستحضار كيفية تفسير القضاء المغربي للنصوص القانونية التي بني عليها. لذلك سنبحث موقف المجلس الأعلى، محكمة النقض حاليا، من أثر محاكمة المتهم دون محام في الحالات التي تكون فيها المؤازرة إلزامية، ومدى إمكان تطبيق هذا الاجتهاد على النازلة موضوع التعليق.
أولا: المعايير الكونية تشترط دفاعا فعليا وفعالا.
وفي هذا الصدد سنقيم القرار في ضوء المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتعليق العام رقم 32 للجنة حقوق الإنسان، واجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن ضرورة أن تكون المساعدة القانونية عملية وفعالة.3
العهد الدولي يفرض ضمان الدفاع الفعلي ولا يبرر الاستغناء عن المحامي
استند القرار موضوع التعليق إلى المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تخول المتهم الحق في الدفاع عن نفسه شخصيا أو بواسطة محام يختاره. غير أن هذا الاستناد يقوم على قراءة جزئية للمادة المذكورة، لأنها لا تقر حق الدفاع الشخصي فقط، بل تلزم أيضا بتعيين محام كلما اقتضت مصلحة العدالة ذلك، وبالمجان إذا كان المتهم لا يتوفر على الوسائل الكافية لأداء أتعابه.
وقد أوضحت لجنة حقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم 32، أن الحق في الدفاع الشخصي دون محام ليس حقا مطلقا. فمصلحة العدالة قد تقتضي تعيين محام حتى خلافا لرغبة المتهم، خصوصا عندما يواجه تهمة خطيرة ولا يكون قادرا على حماية مصالحه بصورة فعالة. ويجب أن يستند تقييد الدفاع الشخصي إلى غرض موضوعي وجدي، وألا يتجاوز ما تقتضيه مصلحة العدالة.
كما أكدت اللجنة أن خطورة الجريمة تشكل عنصرا أساسيا في تحديد ما إذا كانت مصلحة العدالة تستوجب تعيين محام. ولا يكفي أن يكون التعيين شكليا، بل يجب تمكين المحامي من أداء مهمته بفعالية، والتواصل مع المتهم في ظروف تضمن السرية، وإعداد الدفاع ومناقشة الأدلة والشهود. وقد يترتب على الغياب الظاهر للمحامي أثناء الاستماع إلى شاهد مسؤولية الدولة عن خرق المادة 14 متى كان ذلك معلوما للمحكمة ومتعارضا بوضوح مع مصلحة العدالة.
ومن ثم، فإن حرف «أو» الوارد في عبارة الدفاع عن النفس شخصيا أو بواسطة محام لا يجوز تفسيره على أنه يمنح المتهم حرية مطلقة في الاستغناء عن الدفاع المهني في جميع القضايا. فالمادة 14 نفسها تقرر تعيين محام متى اقتضت ذلك مصلحة العدالة، بينما يبقى تحديد الحالات التي تكون فيها المؤازرة إلزامية خاضعا كذلك للقانون الوطني، الذي جعلها واجبة في الجنايات.
وتتجمع في النازلة عدة عناصر تجعل المؤازرة القانونية أكثر ضرورة. فالمتهمة توبعت من أجل جناية خطيرة معاقب عليها بعقوبة مشددة، وكانت معتقلة وتحاكم عن بعد، فضلا عن معاناتها من وضع صحي خطير. كما تضمنت المحاكمة الاستماع إلى شاهدة ومناقشة تصريحات وأدلة رقمية مستخرجة من هاتف المتهمة. وهي عناصر ترفع من درجة التعقيد الواقعي والقانوني للقضية، وتحد من قدرة المتهمة على الدفاع عن مصالحها بنفسها.
ولا يكفي في هذه الظروف وجود المتهمة أمام المحكمة أو تصريحها بالتنازل عن اختيار محام. فالدفاع الفعلي يتطلب معرفة قانونية تمكن من مراقبة سلامة الإجراءات، ومناقشة حجية التصريحات والاعترافات، والاعتراض على شروط استخراج الأدلة الرقمية وحفظها ونسبتها إلى المتهمة، والتمييز بين عناصر المشاركة الجنائية وبين مجرد كراء مسكن أو القيام بتصرف لا يثبت وحده القصد الجنائي.
ويزداد الإخلال وضوحا بالنظر إلى أن المادة 14، في فقرتها الثالثة، تضمن للمتهم الحق في مناقشة شهود الاتهام أو طلب مناقشتهم. وقد بينت لجنة حقوق الإنسان أن هذه الضمانة تشكل تطبيقا لمبدأ تكافؤ الأسلحة، وتقتضي منح الدفاع فرصة حقيقية لمساءلة الشهود والطعن في أقوالهم.
وفي النازلة، جرى الاستماع إلى الشاهدة في غياب المحامي، مما حرم المتهمة من دفاع مهني قادر على كشف التناقضات المحتملة في أقوالها، ومقارنتها بباقي وثائق الملف، وطرح الأسئلة اللازمة لاختبار دقتها ومصداقيتها. ولا يمكن افتراض أن المتهمة، وهي معتقلة ومريضة وتحاكم عن بعد، كانت قادرة على ممارسة هذا الحق بالكفاءة نفسها التي يوفرها محام مطلع على الملف ومؤهل للمناقشة القانونية.
وعليه، فإن المادة 14 من العهد الدولي لا تسند الحل الذي انتهى إليه القرار، بل تؤكد ضرورة توفير محام في مثل هذه النازلة. فالقرار استند إلى جانب واحد من النص، يتعلق بالدفاع الشخصي، وأغفل باقي ضماناته المتعلقة بمصلحة العدالة، وخطورة التهمة، وفعالية المساعدة القانونية، والحق في مناقشة شهود الاتهام. وبذلك استعمل النص الدولي في اتجاه معاكس للغاية الحمائية التي وضع من أجلها.

المحكمة الأوروبية ترفض الدفاع النظري أو الوهمي.
رغم أن أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لا تطبق مباشرة على المغرب، لعدم انضمامه إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، فإنها تمثل مرجعا مقارنا مهما في تحديد المضمون الفعلي للحق في الدفاع والمساعدة القانونية.
ففي قضية “Artico v. Italy ” قررت المحكمة أن الاتفاقية الأوروبية لا تهدف إلى ضمان حقوق نظرية أو وهمية، وإنما إلى ضمان حقوق عملية وفعالة. واعتبرت أن مجرد تعيين محام في إطار المساعدة القضائية لا يكفي للوفاء بالتزام الدولة، لأن النص يضمن “المساعدة” وليس مجرد «التعيين». فإذا تبين للسلطات أن المحامي المعين عاجز عن أداء مهمته أو ممتنع عنها، وجب عليها استبداله أو حمله على تنفيذ التزاماته المهنية.4
ويكتسي هذا المبدأ أهمية خاصة في النازلة، لأن المحكمة لم تكن أمام دفاع معين يؤدي مهمته بصورة ناقصة، بل أمام غياب كلي للدفاع أثناء المناقشات. فإذا كان مجرد التعيين الشكلي لمحام لا يحقق متطلبات المحاكمة العادلة، فمن باب أولى أن مواصلة المحاكمة دون حضور أي محام لا يمكن اعتبارها مؤازرة قانونية فعلية.
وفي قضية ” Goddi v. Italy” تعلق الأمر بعدم إشعار المحامي الذي اختاره المتهم بتاريخ الجلسة، ثم تعيين محام بديل يوم المحاكمة لم يكن على معرفة بالملف ولم يمنح الوقت الكافي لإعداد الدفاع. واعتبرت المحكمة أن مجرد حضور هذا المحامي البديل لا يكفي، وأنه كان يتعين على السلطات القضائية اتخاذ تدابير إيجابية لتمكينه من الاطلاع على الملف وإعداد دفاع فعلي، ولو اقتضى الأمر تأخير الجلسة .5
ويستفاد من هذا الحكم أن تعيين محام بديل ليس إجراء شكليا ينتهي بمجرد تسجيل اسمه في محضر الجلسة، بل يجب أن يقترن بإشعاره وتمكينه من الوقت والتسهيلات اللازمة لدراسة القضية والتواصل مع المتهم وإعداد وسائل الدفاع. فالحضور الجسدي للمحامي دون استعداد لا يحقق الغاية من المؤازرة، كما أن تعيينه في اللحظة الأخيرة لا يصحح الإخلال إذا واصلت المحكمة المناقشات دون منحه مهلة معقولة.
أما في قضية” Daud v. Portugal”، فقد أكدت المحكمة أن الدولة لا تسأل عن كل تقصير يصدر عن المحامي، بالنظر إلى استقلال مهنة المحاماة، لكنها تكون ملزمة بالتدخل عندما يكون عجز المحامي المعين عن تقديم دفاع فعال ظاهرا أو يبلغ إلى علم السلطات بصورة كافية. وقد لاحظت المحكمة أن المحامي الأول لم يتخذ أي إجراء لفائدة المتهم، وأن المحامية البديلة لم تعلم بتعيينها إلا قبل ثلاثة أيام من محاكمة معقدة انتهت بعقوبة ثقيلة، وهي مدة لم تكن كافية لدراسة الملف وزيارة المتهم المعتقل وإعداد دفاع جدي. وخلصت إلى أن المحكمة الوطنية لم يكن يجوز لها أن تظل سلبية أمام هذا القصور الظاهر.6
وتكشف هذه السوابق عن مبدأ مشترك مؤداه أن التزام المحكمة لا ينتهي بمجرد إصدار قرار بتعيين محام، بل يمتد إلى التأكد من أن المؤازرة أصبحت ممكنة وفعالة. فإذا كان غياب المحامي أو تقصيره ظاهرا، تعين على السلطات التدخل إما لتوفير بديل قادر على الدفاع، وإما لمنح المحامي الجديد الوقت اللازم لإعداد الملف، وإما لتأخير المحاكمة إلى حين تحقق هذه الشروط.
وتطبيق هذه المبادئ على قرار العيون يقود إلى نتيجة واضحة. فقد كان غياب المحامي معلوما للمحكمة ومثبتا في قرارها، ولم يكن الأمر متعلقا بتقصير خفي أو بسلوك لم يبلغ إلى علمها. لذلك كان واجب التدخل قائما بأعلى درجاته، وكان الحل المتفق مع ضمانات المحاكمة العادلة هو تعيين محام بديل وتمكينه من مهلة مناسبة، لا تحويل تعذر حضور المحامي إلى سبب لإسقاط الدفاع كله.
كما لا يمكن الاحتجاج باستقلال مهنة المحاماة أو بالتوقف الجماعي لتبرير سلبية المحكمة. فاستقلال المحامي يمنع السلطات من التدخل في مضمون دفاعه واختياراته المهنية، لكنه لا يعفيها من ضمان وجود دفاع فعلي عندما يكون حضوره إلزاميا. ومن ثم، فإن استمرار المحاكمة رغم العلم بغياب الدفاع يتعارض مع الفلسفة المشتركة لهذه الأحكام، التي تجعل فعالية المؤازرة عنصرا من عناصر المحاكمة العادلة، لا مجرد شكل يمكن تجاوزه عند حدوث صعوبة عملية.
مبادئ الأمم المتحدة تكرس الحق في دفاع مؤهل وفعال.
تؤكد مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين، المعتمدة من مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، بهافانا، من 27 غشت إلى 7 شتنبر 1990، ولا سيما المبدأ السادس منها، أن كل شخص لا يتوفر على محام يستحق، متى اقتضت مصلحة العدالة ذلك، تعيين محام تتناسب خبرته وكفاءته مع طبيعة الجريمة المسندة إليه، بما يضمن له مساعدة قانونية فعالة، ودون مقابل إذا كان لا يتوفر على الموارد الكافية. ولا يتحقق هذا المعيار بمجرد تعيين محام بصورة شكلية، وإنما يقتضي حضوره الفعلي وتمكينه من الاطلاع على الملف وإعداد الدفاع ومناقشة الشهود والأدلة وإثارة الدفوع المناسبة.
وفي النازلة، كانت المتهمة تواجه جناية خطيرة، وهي معتقلة وتعاني من وضع صحي خاص وتحاكم عن بعد، كما شهدت الجلسة الاستماع إلى شاهدة ومناقشة أدلة رقمية مستخرجة من هاتفها. وهي ظروف تجعل حاجتها إلى دفاع مؤهل وفعال أكثر إلحاحا. لذلك، فإن تسجيل تخلف المحامي أو قبول المتهمة مواصلة المحاكمة منفردة لا يحقق المعيار الأممي، بل كان يفرض على المحكمة تعيين محام بديل ومنحه الوقت الكافي للاطلاع على الملف وإعداد دفاع جدي.
وإذا كانت هذه المبادئ تندرج ضمن أدوات القانون الدولي غير الاتفاقية، فإنها تمثل معيارا تفسيريا مهما لتحديد المضمون العملي للحق في الدفاع والمحاكمة العادلة. كما تؤكد أن التوقف الجماعي للمحامين لا ينقل عبء توفير الدفاع إلى المتهمة، ولا يبرر محاكمتها في جناية دون مؤازرة قانونية فعلية.
ثانيا: تعارض القرار مع اجتهاد محكمة النقض المغربية.
سبق للمجلس الأعلى، الذي أصبح يحمل تسمية محكمة النقض، أن أصدر القرار عدد 532/8 بتاريخ 25 مارس 2009، في الملف الجنحي عدد 6406/2008، بشأن متهم كانت مؤازرة المحامي إلزامية في حقه بسبب احتمال الحكم عليه بتدبير المنع من الإقامة.7
وتتلخص وقائع القضية في أن المحكمة ناقشت الدعوى دون حضور دفاع المتهم، رغم أن الجريمة المتابع من أجلها كانت تعرضه للحكم بتدبير المنع من الإقامة لمدة تتراوح بين خمس وعشرين سنة. وقد حاول القرار المطعون فيه تبرير ذلك بالإشارة إلى إعلام المتهم، مع أن دفاعه لم يستدع لحضور الجلسة.
غير أن المجلس الأعلى رفض هذا التعليل، وقرر أن مؤازرة المحامي، متى كانت إلزامية بقوة القانون، لا تسقط بإعلام المتهم ولا برفضه الاستفادة منها. وأكد أنه كان يتعين على المحكمة تعيين محام له، ولو رفض ذلك، وأنها عندما ناقشت القضية دون حضور دفاعه تكون قد خرقت المادتين 316 و317 من قانون المسطرة الجنائية. ولذلك قضى بنقض القرار المطعون فيه وإبطاله.
وتكتسي هذه السابقة أهمية خاصة من وجهين. يتمثل الوجه الأول في أن المجلس الأعلى اعتبر المؤازرة الإلزامية التزاما قانونيا يقع على عاتق المحكمة، وليس مجرد حق يتوقف نفاذه على رغبة المتهم. ولذلك لم يعتبر إعلام المتهم أو رفضه كافيا لمواصلة المحاكمة، بل أوجب توفير الدفاع ولو خلافا لإرادته. وهذا المبدأ ينطبق على قرار العيون، لأن تنازل المتهمة عن اختيار محام لا يعفي المحكمة من تعيين محام لها متى كانت المؤازرة إلزامية.
أما الوجه الثاني، فيتمثل في أن قرار سنة 2009 صدر في قضية جنحية لم تكن المؤازرة فيها إلزامية بحسب الأصل، وإنما أصبحت كذلك بسبب احتمال الحكم بتدبير المنع من الإقامة. فإذا كان غياب الدفاع قد أدى إلى النقض في قضية جنحية بسبب قيام حالة خاصة للإلزام، فمن باب أولى أن يطبق المبدأ نفسه في الجنايات التي جعل المشرع المؤازرة فيها إلزامية بصفة أصلية وبنص صريح.
كما أن المادة 423 من قانون المسطرة الجنائية تعزز هذا الاتجاه، لأنها تلزم رئيس غرفة الجنايات بالتأكد من حضور محامي المتهم، وتأمره، عند غيابه، بتعيين محام آخر تلقائيا في إطار المساعدة القضائية. وبذلك أصبح واجب المحكمة أكثر وضوحا في النازلة الحالية، إذ لم يعد الأمر متعلقا فقط بمبدأ استخلصه الاجتهاد القضائي، بل بإجراء حدده المشرع بصورة صريحة.
صحيح أن قرار سنة 2009 لم يصدر في سياق توقف وطني للمحامين، ولذلك لا يحسم وحده جميع الآثار القانونية المترتبة عن التعذر الجماعي لتوفير الدفاع. غير أن اختلاف السبب المؤدي إلى الغياب لا يغير مضمون القاعدة التي قررها المجلس الأعلى، وهي أن المؤازرة الإلزامية لا تسقط بسبب غياب المحامي أو رفض المتهم.
ويكشف القرار موضوع التعليق عن تراجع عن اتجاه قضائي وطني سابق يجعل المؤازرة الإلزامية ضمانة لا يجوز تجاوزها بإرادة المتهم أو بمجرد غياب محاميه.
الفقرة الثانية: القانون المقارن والسياق الاستثنائي لصدور القرار موضوع التعليق.
يسمح المنهج المقارن بالوقوف على الحلول التي اعتمدتها أنظمة قانونية واجهت حالات غياب المحامي أو توقفه عن تقديم خدماته. كما انه لا يمكن تقييم القرار بمعزل عن الظرف المهني الاستثنائي الذي صدر فيه، والمتمثل في التوقف الوطني للمحامين وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية. لذلك سنبحث ما إذا كان هذا الظرف يفسر الحل الذي انتهت إليه المحكمة فقط، أم يمكن أن يشكل تعذرا مطلقا يبرر قانونا تجاوز إلزامية حضور الدفاع، مع تحديد الشروط التي يتعين إثباتها قبل ترتيب هذا الأثر.
أولا: القانون المقارن يفصل بين غياب المحامي وصحة المحاكمة.
سنستحضر في هذا الإطار التجربتين الفرنسية والألمانية، لبيان مدى إمكان اعتبار التوقف الجماعي للمحامين عن تقديم خدماتهم المهنية ظرفا يبرر مواصلة المحاكمة دون حضور الدفاع، وتحديد الشروط والضمانات الواجب توفيرها قبل اللجوء إلى هذا الحل الاستثنائي.
التجربة الفرنسية لا تبرر تعميم ظرف التوقف على قضايا الجنايات.
يستفاد من المادتين 274 و317 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي أن حضور محام إلى جانب المتهم أمام محكمة الجنايات إلزامي. فإذا لم يختر المتهم محاميا، تولى رئيس محكمة الجنايات أو من ينوب عنه تعيين محام له تلقائيا، وإذا لم يحضر المحامي المختار أو المعين، وجب على الرئيس تعيين محام آخر.
غير أن الاجتهاد الفرنسي أجاز، في بعض القضايا الجنحية، مواصلة المحاكمة دون محام عند قيام ظرف متعذر التجاوز ناتج عن توقف هيئة المحامين. ففي قرارها الصادر بتاريخ 23 ماي 2013، عدد 12-83.721، أيدت محكمة النقض الفرنسية، في هذا الجانب، موقف محكمة استئناف نيم التي رفضت تأخير قضية جنحية رغم توقف الهيئة المحلية للمحامين عن المشاركة في جلسات غرفة الاستئنافات الجنحية.8
وقد ثبت في هذه القضية أن المتهم طلب تعيين محام في إطار الانتداب التلقائي، وأن نقيب هيئة المحامين رفض صراحة الاستجابة لهذا الطلب بسبب التوقف. واعتبرت محكمة النقض أن قرار الهيئة تعليق مشاركة المحامين في الجلسات يمكن أن يشكل ظرفا متعذرا تجاوزه يبرر مواصلة النظر في القضية دون حضور محام.
غير أن هذا الحل ارتبط بظروف دقيقة، أهمها أن حضور المحامي لم يكن إلزاميا في القضية الجنحية المعروضة، وأن المحكمة قامت بالإجراءات القانونية اللازمة لتوفير الدفاع، ولا سيما عرض تعيين محام على المتهم ومراسلة نقيب الهيئة والحصول منه على رفض صريح. ولذلك لم يكن غياب المحامي مفترضا أو مبنيا على مجرد العلم بوجود توقف مهني، بل كان نتيجة تعذر ثابت وموثق.
وتجدر الإشارة إلى أن القرار الصادر في 23 ماي 2013 انتهى إلى نقض جزئي لأسباب أخرى لا تتعلق بغياب المحامي، بينما رفضت محكمة النقض الوسيلة المتعلقة بمواصلة المحاكمة دون دفاع. ومن ثم، يجب حصر دلالة السابقة في الجانب الذي أيدته محكمة النقض، دون تحويلها إلى قاعدة عامة تجيز المحاكمة دون محام في جميع القضايا وعند كل توقف مهني.
ولا تسند هذه السابقة قرار العيون، بل تكشف عن اختلاف جوهري بين النازلتين. فالقضية الفرنسية كانت جنحية ولم تكن المؤازرة فيها إلزامية، بينما تتعلق النازلة المغربية بجناية جعل فيها المشرع حضور الدفاع إلزاميا. كما أن قرار العيون لم يعرض بصورة مفصلة الإجراءات التي اتخذتها المحكمة لتوفير محام بديل، ولم يحدد ما إذا كانت قد راسلت النقيب، أو طلبت تعيين محام آخر، أو تلقت رفضا صريحا ومثبتا.
ولا يكفي في هذا الصدد الاستناد إلى العلم العام بوجود توقف وطني للمحامين، لأن إثبات وجود التوقف لا يساوي إثبات استحالة توفير الدفاع في الملف المعروض. فالتعذر المطلق يجب أن يثبت من خلال إجراءات محددة، تبين الجهات التي اتصلت بها المحكمة، والطلبات التي وجهتها، والأجوبة التي تلقتها، والأسباب التي حالت دون تأخير القضية إلى جلسة قريبة.
وفي قرار آخر صادر بتاريخ 29 مارس 2017، عدد 15-86.300، عرضت على محكمة النقض الفرنسية قضية جنائية غادر فيها المحامون المختارون قاعة الجلسة احتجاجا على رفض طلب تأخير المحاكمة، فعين الرئيس محامين آخرين تلقائيا. غير أن هؤلاء رفضوا المهمة وغادروا الجلسة بدورهم، رغم عدم قبول أسباب إعفائهم من الانتداب، ثم تواصلت المناقشات في غيابهم.9
واعتبرت محكمة النقض أن المحامي المنتدب، ما دام لم يعف من مهمته وكان غيابه ناتجا عن فعله، يظل قائما بالدفاع من الناحية القانونية، ولا يلزم الرئيس بتعيين محام ثالث كلما رفض المحامي المنتدب أداء المهمة وغادر الجلسة من تلقاء نفسه.
غير أن هذا القرار صدر في سياق إجرائي خاص اتسم بمغادرة المحامين المختارين للجلسة، ثم رفض المحامين المنتدبين تلقائيا المهمة رغم عدم إعفائهم منها. ولذلك لا يجوز تحويله إلى قاعدة عامة تبيح محاكمة المتهم في جناية دون دفاع فعلي، ولا سيما عندما يكون الغياب ناتجا عن توقف جماعي سابق على الجلسة وليس عن مغادرة المحامي لها أثناء سير المحاكمة.
كما تختلف النصوص المغربية عن الإطار الذي طبق في القضية الفرنسية. فالمادة 317 من قانون المسطرة الجنائية المغربي لا تكتفي بحالة عدم حضور المحامي، بل تشمل أيضا رفضه القيام بمهمته أو وضعه حدا لها، وتلزم الرئيس بتعيين محام آخر على الفور متى كانت المؤازرة إلزامية. كما تؤكد المادة 423 وجوب التحقق من حضور المحامي وتعيين بديل عنه تلقائيا عند غيابه.
وبذلك لا يتوقف واجب الاستبدال في القانون المغربي على إعفاء المحامي الأول رسميا من مهمته، بل ينشأ بمجرد تحقق إحدى الحالات التي حددها القانون، وهي التخلف أو رفض المهمة أو وضع حد لها. ولهذا لا يمكن نقل الحل الفرنسي الصادر سنة 2017 إلى النازلة المغربية دون مراعاة اختلاف صياغة النصوص وظروف كل قضية.
وتبين التجربة الفرنسية في مجموعها أن التوقف الجماعي قد يشكل، في حالات محدودة، ظرفا متعذرا تجاوزه، لكنه لا يؤدي بصورة آلية إلى صحة كل محاكمة تجرى دون محام. بل يجب التمييز بين القضايا التي تكون فيها المؤازرة اختيارية وتلك التي تكون فيها إلزامية، والتحقق من الإجراءات التي اتخذت لتوفير الدفاع، وطبيعة التصرف الصادر عن المحامي، وإمكان اتخاذ بديل أقل مساسا بحقوق المتهم.
ومن ثم، فإن الاستناد إلى الاجتهاد الفرنسي لتبرير قرار العيون يقتضي إثبات أن المحكمة استنفدت فعليا جميع وسائل تعيين محام، وأن التعذر كان مطلقا وموثقا، وأن تأخير القضية لم يكن ممكنا، فضلا عن بيان الأساس القانوني الذي يسمح بتجاوز المؤازرة الإلزامية. وهي عناصر لا يكفي لإثباتها مجرد وجود توقف وطني للمحامين.
التجربة الألمانية تفصل بين ضمان الدفاع ومسؤولية المحامي.
تقدم التجربة الألمانية حلا أكثر انسجاما مع متطلبات المحاكمة العادلة، لأنها لا تجعل المتهم يتحمل النتائج المترتبة عن غياب محاميه. فالمادة 140 من قانون المسطرة الجنائية الألماني تحدد حالات الدفاع الإلزامي، ولا سيما عندما تجري المحاكمة ابتدائيا أمام المحكمة الإقليمية أو المحكمة الإقليمية العليا، أو عندما يكون المتهم متابعا من أجل جناية.
وتنظم المادة 145 من القانون نفسه الآثار المترتبة عن غياب المحامي في حالات الدفاع الإلزامي. فإذا تخلف المحامي عن حضور الجلسة، أو غادرها في وقت غير مناسب، أو رفض مواصلة الدفاع، وجب على رئيس المحكمة أن يعين فورا محاميا آخر، مع جواز تعليق المحاكمة بدلا من ذلك.
وإذا صرح المحامي الجديد بأنه لا يتوفر على الوقت اللازم لإعداد الدفاع، وجب على المحكمة قطع الجلسة مؤقتا أو تعليق المحاكمة حتى يتمكن من الاطلاع على الملف والتواصل مع المتهم وإعداد دفاع جدي وفعال. وإذا أصبح تعليق المحاكمة ضروريا بسبب خطأ المحامي، أمكن تحميله المصاريف الناتجة عن ذلك.
وتقوم هذه المعالجة على الفصل بين مركزين قانونيين مختلفين. يتعلق الأول بحق المتهم في الاستفادة من دفاع فعلي، وهو حق لا يسقط ولا ينتقص بسبب غياب المحامي أو رفضه مواصلة المهمة. أما المركز الثاني، فيتعلق بالمسؤولية المحتملة للمحامي المتخلف، التي يمكن ترتيبها بصورة مستقلة دون تحميل المتهم نتائج سلوك لم يصدر عنه.
ويكشف هذا التنظيم عن فلسفة إجرائية واضحة، مؤداها أن استمرارية مرفق العدالة لا تتحقق بالاستغناء عن الدفاع الإلزامي، وإنما بتعيين محام بديل أو تعليق المحاكمة للمدة اللازمة. فالقانون الألماني لم يجعل مواصلة المحاكمة دون دفاع أحد الحلول الممكنة، بل وضع أمام المحكمة بديلين يحافظان على سير العدالة وحقوق المتهم في الوقت نفسه: تعيين محام آخر فورا، أو تعليق المحاكمة.
كما أن القانون الألماني لم يكتف بتعيين بديل بصورة شكلية، بل ربط صحة استمرار المحاكمة بمدى استعداد المحامي الجديد. فإذا أعلن أنه لا يتوفر على الوقت الكافي لإعداد الدفاع، أصبحت المحكمة ملزمة بقطع الجلسة أو تعليقها. وهذا يؤكد أن الغاية ليست مجرد إثبات حضور شخص يحمل صفة المحامي، وإنما ضمان مؤازرة فعلية قائمة على المعرفة الكافية بالملف.
وصحيح أن المادة 145 لا تنظم صراحة فرضية التوقف الجماعي الشامل للمحامين، وإنما تعالج حالات غياب المحامي أو مغادرته الجلسة أو رفضه مواصلة الدفاع. غير أن فلسفتها تظل مفيدة في تقييم قرار العيون، لأنها تؤكد أن الصعوبات الناشئة عن سلوك المحامي تعالج بإجراءات تستهدف توفير الدفاع أو تأخير المحاكمة، لا بإسقاط المؤازرة الإلزامية.
وهذا هو التوجه الذي كان ينبغي أن يؤطر التعامل مع نازلة العيون. فحتى إذا اعتبر التوقف الجماعي سببا في تعذر حضور الدفاع، فإن هذا الظرف لا يؤدي قانونا إلى سقوط حق المتهمة في المؤازرة، ولا يخول المحكمة تحويل إلزامية الدفاع إلى ضمانة اختيارية.
وإذا كان استمرار الاعتقال أو الوضع الصحي للمتهمة هو السبب الذي دفع المحكمة إلى التعجيل، فقد كان بإمكانها الفصل بين مسألتين مختلفتين: استمرار الاعتقال وسير المحاكمة. فكان يمكنها مراجعة ضرورة الاعتقال الاحتياطي، أو منح الإفراج المؤقت عند توفر شروطه، أو إخضاع المتهمة لتدبير مناسب من تدابير المراقبة القضائية، مع تأخير القضية لمدة محددة إلى حين توفير الدفاع.
كما لا ينبغي تحميل المتهمة النتائج المترتبة عن نزاع مهني أو مؤسساتي لم تكن طرفا فيه. فمهما كان التكييف القانوني أو المهني لتوقف المحامين، فإن آثاره المحتملة يجب أن تعالج في نطاق القواعد المنظمة للمهنة والمسؤولية المهنية والمؤسساتية، لا عن طريق تجريد المتهمة من ضمانة أساسية قررها القانون لفائدتها.
وعلى هذا الأساس، تكشف المقارنة الألمانية أن الحل الذي انتهى إليه قرار العيون لم يكن حتميا، وأن المحكمة كانت تتوفر على بدائل إجرائية أقل مساسا بحقوق الدفاع. كما تؤكد أن التوفيق بين استمرارية العدالة وحقوق المتهم يتحقق بتدبير آثار غياب المحامي، لا بجعل المتهم يتحملها من خلال محاكمته دون دفاع.
ثانيا: التوقف الجماعي يفسر القرار لكنه لا يضفي عليه المشروعية
لا يمكن تقييم القرار موضوع التعليق بمعزل عن السياق المهني الاستثنائي الذي صدر فيه. فقد تزامن صدوره مع توقف شامل للمحامين عن تقديم الخدمات المهنية وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية، احتجاجا على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. وقد وضعت هذه الوضعية المحاكم أمام صعوبات عملية حقيقية، خصوصا في قضايا المعتقلين والملفات التي تكون فيها مؤازرة المحامي إلزامية. لذلك، فإن استحضار هذا السياق ضروري لفهم الدافع العملي الذي حمل المحكمة على مواصلة المحاكمة، لكنه لا يكفي للحكم بصحة الحل الذي انتهت إليه.
فالتوقف الجماعي، مهما اتسع نطاقه، لا يغير النصوص القانونية النافذة، ولا يحول المؤازرة الإلزامية إلى مؤازرة اختيارية، كما لا يمنح القضاء سلطة إنشاء استثناء لم يقرره المشرع. فالمشروعية لا تستمد من صعوبة الواقع، وإنما من احترام القانون، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة. ومن ثم، كان يتعين على المحكمة أن تميز بين تعذر توفير المحامي في جلسة معينة وبين سقوط الحق في المؤازرة، لأن التعذر المؤقت قد يبرر تأخير القضية، لكنه لا يؤدي تلقائيا إلى جواز مناقشتها والحكم فيها دون دفاع.
وحتى يمكن للمحكمة التمسك بوجود ظرف متعذر تجاوزه، كان عليها أن تثبت في قرارها، بوقائع وإجراءات محددة، أن التوقف كان شاملا وفعليا، وأنها راسلت نقيب الهيئة وطلبت منه تعيين محام بديل، وأن هذا الطلب قوبل برفض صريح أو بتأكيد رسمي لاستحالة توفير أي محام. كما كان عليها أن تبين أنها أعادت طلب التعيين وسلكت جميع القنوات القانونية والمهنية المتاحة، وأن هذه المحاولات وثقت بمحاضر أو مراسلات يمكن لمحكمة النقض مراقبتها. أما الاكتفاء بالقول إن المحكمة استنفدت جميع الوسائل القانونية، دون تحديد طبيعة هذه الوسائل وتواريخها والجهات التي تم الاتصال بها والنتائج المترتبة عنها، فلا يثبت الاستنفاد، بل يقرر النتيجة المطلوب إثباتها.
وكان يتعين على القرار كذلك أن يوضح لماذا لم تكن القضية تحتمل تأخيرا قصيرا ومحددا، وما الخطر الحقيقي والمحدد الذي كان سينتج عن هذا التأخير، وأن يبين ما إذا كانت المحكمة قد بحثت عن تدابير أقل مساسا بحقوق الدفاع، مثل تأجيل القضية إلى جلسة قريبة، أو مراجعة وضعية الاعتقال الاحتياطي، أو تمتيع المتهمة بالسراح المؤقت عند توافر شروطه، أو اتخاذ التدابير الضرورية لحماية وضعها الصحي. ولا يكفي الاستناد بصورة عامة إلى استمرارية مرفق العدالة أو الأجل المعقول، لأن استمرار العدالة لا يقاس بعدد القضايا التي تم البت فيها، وإنما بمدى احترام الأحكام الصادرة للضمانات الدستورية والقانونية.
كما أن فهم المتهمة لطبيعة التهمة وقبولها مواصلة المحاكمة لا يعوض حضور المحامي، خصوصا في جناية تكون فيها المؤازرة إلزامية بنص القانون. ولا يمكن للضمانات الإضافية التي قد توفرها المحكمة أثناء الجلسة أن تقوم مقام دفاع مهني قادر على مناقشة الشاهدة، وفحص الأدلة الرقمية، والطعن في حجيتها، وإثارة الدفوع القانونية المناسبة. فهذه الضمانات تبقى مكملة لعمل الدفاع ولا تصلح بديلا عنه.
بل إنه حتى مع ثبوت جميع عناصر التعذر، فإن ذلك لا يكفي بذاته لإسقاط إلزامية المؤازرة ما لم يوجد نص قانوني صريح يجيز هذا الأثر. وأقصى ما يمكن أن يثبته التوقف الجماعي هو وجود تعذر مؤقت يقتضي تأخير المحاكمة ومعالجة الآثار المترتبة عن الاعتقال، لا إجراء المحاكمة دون محام. فنظرية القوة القاهرة أو الظرف المتعذر تجاوزه لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة قضائية لإنشاء استثناء عام ودائم من قاعدة آمرة، ولا إلى آلية لتحميل المتهمة نتائج نزاع مهني ومؤسساتي لم تكن طرفا فيه.
وعليه، فإن التوقف الجماعي للمحامين يفسر الصعوبة التي واجهتها المحكمة ويمنح القرار أهمية اجتهادية، لكنه لا يضفي عليه المشروعية. كما أن عبارة “استنفاد جميع الوسائل القانونية” لا تكفي لإثبات التعذر المطلق ما لم تدعم بإجراءات محددة وموثقة. فالظروف الاستثنائية قد تبرر اتخاذ تدابير استثنائية داخل حدود القانون، لكنها لا تبرر تعطيل ضمانة جوهرية قررها المشرع لحماية المتهم وحسن سير العدالة معا.

خاتمة
يكتسي قرار غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالعيون أهمية اجتهادية واضحة، وله طبعا أجر المحاولة، لأنه كشف عن فراغ عملي في كيفية ضمان الدفاع الإلزامي أثناء التوقف الجماعي للمحامين، ووضع القضاء أمام تعارض مؤسساتي صعب بين استمرارية المحاكم واستمرارية خدمات الدفاع.
فالقرار موضوع التعليق كشف عن صعوبة عملية حقيقية فرضها التوقف الجماعي للمحامين، لكنه انتهى إلى حل غير منسجم مع إلزامية الدفاع في الجنايات. فاستمرارية مرفق العدالة لا تبرر محاكمة المتهمة دون محام، ولا يجوز تحميلها نتائج نزاع مهني لم تكن طرفا فيه، خاصة أن المحكمة لم تبين بصورة دقيقة الوسائل التي استنفذتها لتعيين دفاع بديل.
وكانت أمام المحكمة حلول أقل مساسا بحقوق الدفاع، في مقدمتها تأخير القضية إلى جلسة قريبة ومحددة، ومراسلة نقيب الهيئة رسميا لتعيين محام بديل وتوثيق الجواب، واتخاذ تدابير استعجالية لضمان علاج المتهمة. كما كان بإمكانها تطبيق المادة 299 من قانون المسطرة الجنائية، التي تلزم الهيئة القضائية بالبت تلقائيا أو بناء على طلب في مدى استمرار الاعتقال الاحتياطي، فتقرر متابعتها في حالة سراح أو إخضاعها للمراقبة القضائية إلى حين استئناف المحاكمة بحضور الدفاع.
وتزداد وجاهة هذا البديل بالنظر إلى أن المحكمة حكمت على المتهمة بسنتين حبسا، جعلت منها ثلاثة أشهر نافذة فقط والباقي موقوف التنفيذ، في وقت كانت قد قضت فيه رهن الاعتقال الاحتياطي مدة تقارب العقوبة النافذة. وبذلك تكون المحكمة قد قررت عمليا الإفراج عنها، لكن بعد محاكمتها دون دفاع، بينما كان يمكن بلوغ النتيجة نفسها بصورة قانونية منذ البداية، عن طريق الإفراج المؤقت وتأخير القضية إلى حين توفير محام.

المراجع
القانون رقم 03.23 بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.25.55، الجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 8 شتنبر 2025. وقد نصت مادته السادسة على دخوله حيز التنفيذ بعد ثلاثة أشهر من تاريخ النشر.
القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 أكتوبر 2008، الجريدة الرسمية عدد 5680 بتاريخ 6 نونبر 2008، ص. 4044 وما يليها.
لجنة حقوق الإنسان، التعليق العام رقم 32 بشأن الحق في المساواة أمام المحاكم والمحاكمة العادلة، الفقرات 32 و34 و37 و38.
European Court of Human Rights, Artico v. Italy, Judgment of 13 May 1980, Application no. 6694/74
منشور بالموقع الرسمي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قاعدة البيانات القضائية
European Court of Human Rights, Goddi v. Italy, Judgment of 9 April 1984, Application no. 8966/80
منشور بالموقع الرسمي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قاعدة البيانات القضائية
European Court of Human Rights, Daud v. Portugal, Judgment of 21 April 1998, Application no. 22600/93
منشور بالموقع الرسمي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قاعدة البيانات القضائية
المجلس الأعلى، الغرفة الجنائية، القرار عدد 532/8 الصادر بتاريخ 25 مارس 2009، في الملف عدد 6406/2008، مجلة الملف، العدد 15، نونبر 2009.
Cour de cassation française, Chambre criminelle, arrêt du 23 mai 2013, pourvoi no. 12-83.721, Bulletin criminel 2013, no. 114
منشور بالموقع الرسمي للتشريع والاجتهاد القضائي الفرنسيالنص الرسمي للقرار.
Cour de cassation française, Chambre criminelle, arrêt du 29 mars 2017, pourvoi no. 15-86.300, Bulletin criminel 2017, no. 101
منشور بالموقع الرسمي للتشريع والاجتهاد القضائي الفرنسي. النص الرسمي للقرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.