بلخياط… يا ذاك الإنسان.. لمعت فنانًا وصوفيًا

0

الانتفاضة  @@@ توفيق بوعشرين 

توقف قلب الفنان لكن قلوب محبيه لن تتوقف عن حبه وشكره والاعتراف له بالموهبة وشفافية الروح ..فالحياة ليست ما يعيشه الإنسان، بل ما يتركه من بصمة فوق الارض بعد العبور …

رحل عن دنيانا معلم من معالم المشهد الفني المغربي، عبد الهادي بلخياط.

أسلم الروح لصاحبها أمس عن عمر ناهز 86 سنة.

بعد مسار فني خاص ونادر: نجمٌ بلغ قمة الشعبية ثم غادرها بإرادته، دون أن يطلب الإذن من أحد، لا من الجمهور، ولا من السوق، ولا من الوسط الفني الذي لم يعد مرتاحًا داخله.

المغرب كله لم يردد سوى جملة واحدة بعد سماع الخبر: الله يرحمو…

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين كانت الأغنية المغربية تبحث عن “شكلها العصري” في مغرب يتحرك، دخل بلخياط بميزة لم تتوفر لكثيرين: صوت دافئ، أداء متزن، وحضور بلا استعراض. لم يكن من مدرسة الصراخ العاطفي، بل من مدرسة “الطرب المقتصد”، يلمس المعنى دون إلحاح ولا تصنع ولا استعراض… لهذا راكم شهرة داخل المغرب وفي الخارج لم تتوفر سوى لقليلين في المغرب.

أبرز ما رسّخه في ذاكرة جيلي كان أغنية قطار الحياة: عملٌ صار مثلًا ثقافيًا عن مرور العمر وتقلباته. تُنسب كلمات هذه الأغنية الخالدة للشاعر علي الحدّاني وألحانها لعبد الرحيم السقاط، وقد قُدمت في مطلع الثمانينيات، كأنها تحكي عن قطار حياة جيل كامل.

بلخياط كان قادرًا على الاستمرار: مهرجانات وحفلات، تلفزة وسهرات، وحضور دائم في القصور والفيلات… كل شيء كان متاحًا أمامه. لكنه اختار في لحظة ما أن ينسحب تدريجيًا من منطق “الدوّامة”: علاقات الوسط التي لم تكن كلها صحية، منافسة الأضواء التي لم تكن كلها ودودة، وضرائب الشهرة اليومية…

هذا التحول لم يكن مجرد قرار مهني، بل تبدّل مزاج وفكر والتزام: من فنان مقبل على الحياة إلى رجل يفتش عن معنى آخر للحياة خارج الخشبة، وخارج الأضواء والهتافات والمعجبات والمعجبين…

تذكر مصادر مغربية أنه أعلن اعتزال الغناء سنة 2012، وتفرغ لما يعتبره قناعته الروحية، وتوجه للإنشاد الديني، مع ظهور محدود على المسرح بين الفينة والأخرى، اضطرارًا وليس اختيارًا.

هنا بالضبط تكمن “فرادة” الفنان بلخياط، سواء اتفقت معه أو اختلفت: هذا رجل لم تمنعه الشهرة والمال والعلاقات والتاريخ الفني من أن يختار لنفسه طريقًا آخر، من دون أن يحسب لشيء.

كثيرون يهاجمون الشهرة وهم لا يملكونها… أما هو فغادرها بعدما عرفها من الداخل، وكان باستطاعته أن يبقى نجمًا فيها لسنوات طويلة، لكنه اكتفى واقتصد، وكأنه يطبق حكمة سقراط الذي قال:

(السعادة في الحياة هي الاقتصاد في كل شيء).

كل شيء هنا يسري على الأكل والشرب والسفر واللباس والظهور والكلام والحضور، والغرف من متع الدنيا كافة…

بعيدًا عن تضخيم الحكايات وتدخلات لم تثبت عن اتصال الملك الراحل بالفنان لثنيه عن الاعتزال، وما حصل معه وما لم يحصل…

كان بلخياط، بطبعه الوديع ورقة الفنان داخله، يحاول أن يوفق بين قناعاته الدينية الجديدة وموهبة الفن داخله، راضيًا بحكم الجمهور، وراضيًا قبل ذلك بحكم الله…

كان يلقبه بعض المغاربة بـ”عبد الوهاب المغربي” مقارنة بعبد الوهاب المصري، لكن هو لم يكن سوى عبد الهادي… كان هو نفسه.

بلخياط انتهى إلى صورة لا يحبها “اقتصاد النجومية”: فنانٌ يستطيع أن يربح أكثر، لكنه اختار أن “يقلّ” عن قصد؛ زاهدًا في المال والضوء، غير معنيٍّ بمزاج الوسط الفني، ولا مستعدًا أن يساوم على قناعاته… لمع فنانًا وصوفيًا، وظل حاضرًا حتى في غيابه.

ارتح، يا ذاك الإنسان…

عليك من الله رحمة وغفرانًا، وأمنًا وأمانًا…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.