الانتفاضة/ سلامة السروت
ما شهدته مدينة القصر الكبير خلال الأيام الأخيرة لم يكن مجرد فيضانات اجتاحت الشوارع وأغرقت المنازل وأربكت الحياة اليومية للسكان، بل كان اختبارا حقيقيا للضمير الإنساني، امتحانا قاسيا كشف عن نوع آخر من الفيضانات… فيضانات الجشع وغياب الرحمة، التي طفت على السطح في لحظة كان يفترض فيها أن تسود قيم التضامن والتكافل.
فمع التساقطات المطرية الغزيرة التي تهاطلت بشكل متواصل، تحولت أحياء بكاملها إلى مساحات مغمورة بالمياه، وانقطعت الكهرباء عن عدد من المناطق، ليجد المواطنون أنفسهم في ظلام دامس، تحاصرهم المخاوف، وتربكهم أصوات الرعد وتدفق المياه، فيما كان الأطفال يرتجفون خوفا، والأسر تحاول حماية ما تبقى من متاعها البسيط.
وفي خضم هذه المعاناة، كان من المنتظر أن تبرز مظاهر التضامن الإنساني، كما عهد المغاربة في الشدائد، غير أن الواقع كشف عن وجه آخر صادم، تمثل في بروز ما يعرف بـ“تجار الأزمات”، الذين وجدوا في محنة الناس فرصة للربح السريع، دون اعتبار للظروف أو للبعد الإنساني.
فقد تحولت الشمعة، تلك الوسيلة البسيطة التي لا يتجاوز ثمنها بضعة دراهم في الأيام العادية، إلى سلعة نادرة يتاجر بها بأثمان مضاعفة بشكل صادم. شمعة كانت تباع بأربعة دراهم، قفز سعرها فجأة إلى خمسة عشر درهما، وربما أكثر، في غياب أي رقابة أو تدخل فوري. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل هذا منطق السوق؟ أم فوضى استغلال فجة؟ وأين اختفت الأخلاق حين تصبح حاجة الناس وقودا للجشع؟
ولم يتوقف الاستغلال عند حدود المواد الأساسية، بل امتد ليشمل خدمات النقل، حيث سجل المواطنون ارتفاعا غير مبرر في أثمنة سيارات الأجرة. فبين شوارع غارقة بالمياه، ووسائل نقل محدودة، وجد العديد من السكان أنفسهم مجبرين على دفع مبالغ مضاعفة فقط للوصول إلى أماكن آمنة، أو للالتحاق بأقاربهم، أو حتى لنقل أطفالهم بعيدا عن الخطر. وهكذا، حوصر المواطن بين سيول المياه وسيول الجشع، في مشهد يختزل قسوة الواقع.
إن ما حدث بالقصر الكبير يعيد إلى الواجهة إشكالية غياب المراقبة الصارمة خلال الأزمات، ويفتح النقاش حول مسؤولية الجهات المعنية في حماية المستهلك في الظروف الاستثنائية. فالكوارث الطبيعية لا يجب أن تكون ذريعة لتحرير الأسعار بشكل فوضوي، ولا مبررا لترك المواطنين تحت رحمة الاستغلال.
وفي مقابل هذه الصور القاتمة، لا يمكن إنكار وجود نماذج مشرفة من التضامن، حيث بادر بعض المواطنين إلى مساعدة جيرانهم، وتقاسموا معهم الشموع والماء والغذاء، وفتحوا بيوتهم لمن غمرت المياه منازلهم. هذه المبادرات الفردية، وإن كانت محدودة، تؤكد أن روح التكافل لم تمت، لكنها بحاجة إلى حماية وتشجيع.
كما لعبت السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية دورا مهما في التدخل لإنقاذ العالقين، وشفط المياه من بعض الأحياء، وإعادة التيار الكهربائي تدريجيا، غير أن حجم الخسائر والمعاناة كشف أن المدينة في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في بنيتها التحتية، خاصة شبكات تصريف مياه الأمطار التي عجزت عن استيعاب الكميات الكبيرة المتساقطة.
وتطرح هذه الأحداث تساؤلات عميقة حول استعداد المدن المتوسطة لمواجهة التغيرات المناخية التي أصبحت واقعا لا يمكن تجاهله. فالتساقطات غير المنتظمة، والفيضانات المفاجئة، باتت تتكرر بوتيرة مقلقة، ما يستدعي اعتماد مقاربة استباقية لا تقتصر على التدخل بعد وقوع الكارثة، بل تشمل التخطيط والوقاية والمحاسبة.
لكن، إلى جانب البعد التقني، يبقى البعد الأخلاقي حاضرا بقوة. فالمجتمع الذي يسمح بتحويل معاناة أفراده إلى فرصة للربح، هو مجتمع مطالب بإعادة مساءلة منظومته القيمية. فالأزمات، مهما كانت قاسية، يجب أن تعيد الناس إلى إنسانيتهم، لا أن تعري أسوأ ما فيهم.
إن فيضانات القصر الكبير لم تترك فقط شوارع موحلة ومنازل متضررة، بل تركت جرحا معنويا عميقا في نفوس الكثيرين، جرحا سببه الإحساس بالخذلان، حين يأتي الاستغلال من الداخل، لا من قوة الطبيعة وحدها.
وفي انتظار محاسبة كل من ثبت تورطه في استغلال حاجات المواطنين، يبقى الأمل معقودا على يقظة الضمير الجماعي، وعلى تدخل حازم من الجهات المختصة لضبط الأسعار، وردع كل من تسول له نفسه الاتجار في آلام الناس.
فالفيضانات ستنحسر، والمياه ستجف، لكن ما سيبقى عالقا في الذاكرة هو السؤال الجوهري: هل نريد مجتمعا يتماسك في الأزمات، أم مجتمعا يغرق في أنانيته عند أول اختبار؟.