الانتفاضة &&& نور الهدى العيساوي
بعد سنوات من السجال المتكرر حول جودة البرمجة الرمضانية، اختارت القناة الثانية “دوزيم” أن تُحدث قطيعة واضحة مع واحد من أكثر الأنماط التلفزيونية إثارة للانتقاد، وذلك عبر إقصاء “السيتكومات” الكوميدية بشكل نهائي من شبكة برامج شهر رمضان المقبل، في قرار يعكس، في عمقه، مراجعة متأخرة لسياسة برمجية ظلت لسنوات بعيدة عن انتظارات جزء واسع من الجمهور.
هذا القرار لا يمكن قراءته فقط بوصفه تغييرًا شكليًا في نوعية الأعمال المعروضة، بل باعتباره اعترافًا ضمنيًا بفشل نموذج كوميدي استُهلك إلى حد الإنهاك. فالسيتكومات الرمضانية تحولت، مع مرور المواسم، إلى إنتاجات نمطية تفتقر إلى الابتكار، تعتمد على نفس الحبكات المستهلكة والحوارات السطحية، وتعيد تدوير نفس الوجوه الفنية، في مشهد أقرب إلى “اقتصاد الريع” منه إلى صناعة إبداعية حقيقية، وهو ما أفقدها قدرتها على الإضحاك أو حتى الإقناع.
في المقابل، يبدو أن “دوزيم” قررت هذه المرة الرهان على خيار أقل مخاطرة من حيث الصورة الذهنية للقناة، وأكثر انسجامًا مع ذوق شريحة واسعة من المشاهدين، عبر إعادة الاعتبار للدراما الاجتماعية، من خلال برمجة الجزء الثالث من مسلسل “بنات لالة منانة” مباشرة بعد الإفطار. اختيار هذا العمل تحديدًا لا يخلو من دلالة، فهو مسلسل راكم نجاحًا جماهيريًا في مواسم سابقة، ويستند إلى قصة قريبة من الواقع، وشخصيات استطاعت بناء علاقة ثقة مع الجمهور.
التفاعل الإيجابي الذي رافق الإعلان عن هذا التحول، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، يكشف حجم الهوة التي كانت تفصل القناة عن جمهورها في السنوات الماضية. فالإشادة لم تقتصر على العمل الدرامي في حد ذاته، بقدر ما عبّرت عن ارتياح عام للتخلي عن “الكوميديا السهلة” والضحك المفتعل، والعودة إلى محتوى يُفترض فيه احترام ذكاء المشاهد ووعيه.
غير أن هذا المنعطف يطرح، في الآن ذاته، أسئلة أعمق حول مستقبل الإنتاج التلفزيوني العمومي: هل يتعلق الأمر بخطوة معزولة فرضها ضغط الرأي العام، أم ببداية مراجعة شاملة لمنطق البرمجة وجودة النصوص وآليات اختيار المشاريع؟ الجواب سيظل رهينًا بمدى قدرة القناة على تثبيت هذا التوجه وعدم التعامل معه كمجرد استثناء ظرفي في موسم رمضاني واحد.