الانتفاضة // عبد المجيد العزيزي
ضمن النقاش المتزايد حول قضايا الصحة النفسية وعلاقتها بالبناء الاجتماعي، يبرز مفهوم العنف الرمزي كأحد أخطر العوامل المؤثرة في التوازن النفسي للأفراد، لما يتسم به من خفاء وقدرة على التغلغل في الوعي دون إثارة الانتباه. وفي هذا السياق، تقدم الأستاذة بامحيل سعاد، المتخصصة في الإرشاد النفسي والاجتماعي، قراءة تحليلية تربط بين هذا الشكل من العنف وتداعياته النفسية والاجتماعية بعيدة المدى.
وترى بامحيل سعاد أن العنف الرمزي لا يُمارَس عبر الإكراه الجسدي، بل من خلال اللغة، والتمثلات، والصور النمطية، والتوقعات الاجتماعية، التي تُفرض على الأفراد وتُقدَّم لهم باعتبارها طبيعية أو بديهية. هذا النمط من العنف، في نظرها، يترك أثرًا عميقًا على الصحة النفسية، إذ يزرع الشعور بالدونية، ويقوض الثقة بالذات، ويدفع الفرد أحيانًا إلى تقبل الإقصاء كقدر اجتماعي.
ومن زاوية الإرشاد النفسي، تؤكد المتخصصة أن خطورة العنف الرمزي تكمن في تطبيعه داخل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، كالأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، حيث تتحول بعض الخطابات اليومية إلى مصادر ضغط نفسي غير معلن، تؤثر في بناء الهوية وفي علاقة الفرد بذاته وبالآخرين. ومع التحولات الرقمية، اتسعت رقعة هذا العنف، وأصبح أكثر سرعة وانتشارًا، ما ضاعف من آثاره النفسية، خاصة لدى فئات الشباب واليافعين.
وفي استشرافها للمستقبل، تشدد الأستاذة بامحيل سعاد على أن حماية الصحة النفسية تمر عبر تفكيك آليات العنف الرمزي، وليس فقط معالجة نتائجه. فتعزيز الوعي النقدي، وتعميم ثقافة الإرشاد النفسي والاجتماعي، يشكلان مدخلًا أساسيًا لتمكين الأفراد من التعرف على هذا العنف ومقاومته، بدل استبطانه وإعادة إنتاجه.
ويخلص هذا الطرح، في سياق ملف الصحة النفسية والمجتمع، إلى أن بناء مجتمع متوازن نفسيًا يقتضي مراجعة الخطابات السائدة، وإعادة الاعتبار لقيم الاعتراف والاحترام، بما يجعل الصحة النفسية قضية جماعية بقدر ما هي شأن فردي، ويحول الوعي إلى أداة للوقاية والتحرر.
التعليقات مغلقة.