الانتفاضة // سعيد الوزاني تاشفين
قال تعالى: { مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى / سورة النجم – الأية 11 . }
تأملُُ في قسوة الغياب ، وهذه الذكرى الأربعين تحلّ باعتبارها زمنا نفسيا لا يُقاس إلا بالخَفق ، امتحانا قاسيا للذاكرة المتخنة بالأنين ، ومساءلة متكررة لمعنى الحضور في كنف الغياب .
أربعون يوما والروح ما تزال عالقة بين سؤال الفقد وحدود السّلوان ، وكأن الموت لم يأخذها وحدها ، بل أخذ معها جزءا من اليقين بالتفاصيل التي تسكننا ؛ ويستمر الشجن الكبير.
لم يكن الرحيل حدثا عابرا في تقويم الزمان ، بل جللا كان حيث أعاد ترتيب الأشياء النزيفات داخلنا ؛ إن للموت لعمري ما بعده في تقييم العلاقات وتصنيف الناس والأشياء والمواقف والسجايا . وقْع شديد على ترتيب الوعي من جديد وتبويء العلاقات ما تستحق بميزان انهيارنا ، لقد نجح الموت في خلق بؤر توثر باطنية حبلى بإعادة ترتيب النظائم كلها : الوفاء والغدر ، الثبات والإنحراف ، الإيمان والزيف ، اليقين والريبة ، حفظ العهد وخيانة المعنى ، رعاية الذكرى والخذلان ، المواساة والإستخفاف .
لقد تغيّرت سحنة اللغة فأضحت نحيفة صماء ، وصارت الكلمات أقل قدرة على البَوح ، وصار الصمت أبلغ من كل خطاب يُروى . أدركنا متأخرين أن بعض البشر لا يُقاس وجودهم بأجسادهم ، بل بما يتركونه من أثر ووقْع ، وأن الغياب الحقيقي ليس في الفقد ، بل ألاّ نخون المعنى الذي كان يُمنح لعمق الأشياء في حضرة التي احترقت كالشمع وماتت وهي تهمس في الأذان : لقد تركتُ لكم هذه الدنيا الظالمة ، لقد فضلت الرحيل على أن أتماهي مع رعونة الظلم فيها ؛ وسأخبر ربي بكل شيء ؛ فها أنا مع ربي في حضرة النعيم أعانق أمي وأبي حيث طال الهجر وهما أسرتي وعِترتي وفاءً للدم وصونا للعهد حتى ها هنا ، فالوداع اختيار يا من قرّر تناسي ذكرايْ في رمشة عين خذلانا وجحودا ، وعند الله وحده تقام الخصوم وتنكشف المخادع كلها يوم يحكم العزيز المقتدر ؛ هكذا همست .
لقد كانت ٱمَة الله فكرة جميلة في زمن خشن ، ونبضا إنسانيا في عالم يتآكل أمام أعيننا من شر القسوة وتعسف الخذلان . لم تكن عالية الصوت أبدا ، لكنها كانت عميقة الأثر ، لم تكن تطلب الضوء ، لكنها كانت تَشعّ وهي تحترق من أجلهم جميعا . ومن يدري أنها كانت تضيء وهي تنهار بالتقسيط للأوفياء ، أم تراها كانت تقدم عمرها رويدا رويدا على طبق مِن استنزاف لمن تجاهل خِلسة عمرا كاملا استبحه العطاء والتضحيات ، عطاءات ما نَضُبت يوما ؛ فاغتنِمْ فرصة أُتيحت ما دُمتَ تقتات من دم لم يتماهى بعد مع رائحة الرديم ؛ ومثل هذا قالت الخنساء وهي ترثي صخراً .
لقد تعلمنا منكِ يا سعاد وقالي اليوم مثبول ، دون أن تعظ ، أن الأخلاق مواقف ، وأن الرحمة ممارسة يومية ، وأن الحب لا يحتاج إلى إعلان ليكون حقيقيا ، وأن منتهى العنقود أشرف الفارس المغوار أصلب من أن يُداس حزنه وجسدكِ ما يزال يتحلّل في الثرى مقاوما للإنتهاء .
في فلسفة الفقد ، يقال إن الموت نهاية ظرفية للجسد لا للروح ، وإن الإنسان لا يرحل تماما ما دام مقيما في ذاكرة من أحبوه مهما اشتدت تقلبات المرجفين في سياقات النسيان بالضفة الأخرى من هذه الذكرى الأليمة . هكذا لم تغب ، بل تحوّلت من وجود مادي إلى حضور معنوي ، من صوت مسموع إلى ضمير يهمس باستمرار ، من كائن بيننا إلى قيمة حية تسكننا وبها نحيا ونعيش .
في الذكرى الأربعين ، لا نبكيها ضعفا ، بل وفاءً ينزف دما ليروي ما يسكن القلب من عهد لا يشيخ . لا نرثيها استسلاما ، بل عرفانا بفضلها في تشكيل وعينا الإنساني . وها نحن اليوم نقف أمام الرحيل كما يقف الفيلسوف أمام أسئلة الوجود المفعمة بالغليان ضد هدوء الإدراك : نقف حائرين ، ومكسورين ، ومقهورين ، وصامتين صمتا أنينا .
لقد أصبحنا أكثر فهما لهشاشة الحياة ولتفاهتها ، وأكثر تواضعا أمام حكمة الله جلا وعلا ، وأكثر صلابة من أن ننهزم حرصا على صون العهد الثقيل . فاللهم إن كانت قد غادرت عالم الفناء بهذه الدنيا التافهة ، اجعل لها في عالم الخلود مقاما يليق بنقائها واحرص روحها بين يديك يا كريم .
اجعل قبرها سلاما وجَبرا وإنصافا ، وذكراها نورا يشع في برزخ الظلام الدامس ، ووجودها الجميل الممتد فينا دمعا رحيما ووجعا خفيفا ، صدقة جارية إلى يوم نلقاك يا رحيم ؛ فلكل شيء زكاة وزكاة قلوبنا حزنها يا عليم .
لم نودّعك يا سليلةَ مجاهدةٍ خلّفت بعدها عهدا لا يبور ، فمن يسكن القلب لا يُودَّع أبدَا ، ولأن بعض الأرواح خُلقت لتغيب فقط جسدا .
لقد أفاضت فينا ذكراكِ عمرا كاملا ونيّف من الأسئلة التي تصنع التشظي في مُقلتي هذا الوجود المكتئب الكئيب : نكهة الموت موجعة جدا ، الزمان مدرسة يعيد تصنيف التفاصيل ، الوفاء للشرفاء فريضة ، والمعنى يعيد ترتيب نفسه كي لا يتيه ، الإرتباط في كنف الوداع من خصال الشرفاء ، والتمسك بالذكرى مهما اشتدت دواعي التعب الشديد فرض عين لا يقبل التبخيس .
الرثاء ليس فقط موقفا عاطفيا عميقا أو انفعالا سيكولوجيا عابرا ، بل حياة جديدة تولد من رحم الغياب حيث نرمم جراحنا بدمعنا . وفي الذكرى الأربعين للرحيل يتبدّى لنا أن الدنيا ليست مأساة فحسب ، بل وهمُ يتلصص خِيفة ليسكننا ، وأن الإنسان لا يكتشف هشاشتها إلا حين يسقط أحد الأحبة خارج معادلتها الزائفة .
المنية لا تكشف الوجود ، بل تفضح تعلّقنا المغشوش به ، وينقشع سراب ما نسمّيه زورا حياهْ . والخذلان لا يأتي من الفقد كحدث أليم لا يطاق ، بل هو ضرورة وجودية تدفع إلى إعادة تصنيف الحب والمَقت ، ثورة على الذاكرة حين تختار النسيان باعتباره شكلا من أشكال الجحود وعبورا مبررا للمأساة نحو تجديد الحياة نكرانا للمواثيق بذريعة التأقلم الذي يفضح زيف العلاقات وهوس الدنيا وجشع المتلصصين ، انتهازية تميط الحجاب عن الغدر حين ينتظر متى يبزغ لتنقشع حقيقة البشر حين يختصرون الغياب في زمن ضيق وينصرفون نحو مصلحتهم غير مبالين بما مضى من وشائج عميقة ولسان حالهم ينطق بلا حياء : ” الدْنْيا هي هذي ” وهم ها هنا يبرّرون أبشع صور النكران عبر نذالة التأقلم ووضاعة البحث عن الإستمرارية تحت يافطة ” الحمد لله على نعمة النسيان ” !! فما أبشع نذالة البشر حين يبرر الغدر بالتأقلم تحت مسوغات الإستمرار . فماذا لو كان النسيان نقمة يطوي صفحات الدم بمخالب اللاّعهد ؟!
الرثاء ، في هذا السياق ، يرفض الغدر ولا ينصرف إلى حيث نبضه جاحدا ، ليس تعبيرا عن حزن شخصي بدائي ، بل هو فعلُ وعيٍ شقي يسائل النواميس كلها ، ورفض صريح لتحويل الإنسان إلى أثَر عابر في مساحات الجحود . الوفاء ليس إحساسا سطحيا خفيفا ، بل التزام أخلاقي صلب يدعو باستمرار إلى تحصين الذاكرة وحماية المعنى بعد انقطاع الجسد عن ملاقاتينا حين تسكننا الروح وفاءً لا جفاءً . وها أنا أُرثي الرحيل لأن الرثاء هو النهج القويم لمواجهة تفاهة الدنيا دون أن نصبح جزءا منها ، ولأن من يُرثى يظلّ موجودا بوصفه قيمة ومعيارا ، لا بوصفه ذكرى ، ولأن بعض الأرواح حين ترحل لا تنقص العالم ، بل تستبين فقره وخواءه الكبير .
رحمها الله وطيَّب ثراها ، غادرت حدود الزمن ، وارتمت في أحضان الغياب تعبيرا على رفض هذه الدنيا الظالمة حيث ينتصر الأوغاد غالبا وينتهي العظماء في مشانق البلوى ، وأشهد أن الإبتلاء حق فاغفر إني ظلمت نفسي يا رحيم . لقد بقيَت معيارا يقاس به صدقنا في هذا الوجود ، معيارا لنختبر وفاءنا على مقربة من التجاوز تبريرا لمنطق السّفلة في البحث عن النشوة في زوايا الرّزية الكبرى . فاللهم ارزقنا نحن الأوفياء ، على نقيض الأثمين ، من اليقين ما تُهوّن به علينا مصائب الدنيا ، وانصرنا على قسوة الفراق نصرا مبينا ، وضمِّد جراحنا برحمة منك يا عزيز ، ولا تكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، إليك نشكو قلة حيلتنا وضعف قوتنا يا قوي .
وختام الشجن هذا : إن الموت لا يوجع لأنه يُنهي الحياة دون سابق استئذان ، بل لأنه يفضح هشاشتها وزيف متاعها الغرور . إنه يتركنا وجها لوجه أمام سخافة الدنيا ، وأمام العجز عن ترميم تصدعات القلب تحت وطأة الشوق الجلل . فالراحل لا يأخذ مكانه معه ، بل يخلّفه فجوة دائمة بصبيب منفلت ينفجر حزنا جامحا ، نتعثر بها كلما ظننا أننا تعلّمنا العيش بسلام . هكذا يصبح الفقد معرفة متأخرة ، لا شفاء منها . الموت فقط بمثابة إيذان بسبقية البث من لدن اللوح المحفوظ بالإنتقال إلى جهة الضوء ، ليس نهاية إلا في أفئدة الجاحدين ، و ” إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ” ( الإسراء الأية 36 ) . لقد تحملتِ بجسدك الذي انتهى ثقل الأرض حيث سيمكث الظلم إلى أن يطوي الله الأرض طي السجل للكتاب ؛ وحينها ” عند ربكم تختصمون ” وكان الله قويا عزيزا . نمشي في هذه الأرض ونحن نوقن إن الأرواح لا تموت ، بل تغيّر مقامها ، وأن اللقاء مؤجل ردحا من الزمن حتى تجتمع الإنسانية جمعاء يوم الدين الكبير لإقامة العدل وترتيب الجزاءات بصراط الحق المبين .
أربعون يوما مرّت يا ٱَمَة الله ولا يزال الغياب طازجا كأنه اللحظة الأولى ، لم تهدأ الذاكرة بعد ، ولم يتصالح القلب مع هذا الإنطفاء المرعب . كل ما حدث أننا تعلمنا أن نحمل الفقد بهدوء ، أن نتأمل ملامح الأوفياء لرحيلك فنذوب فيها ، وأن نعانق الصمت حيال من برر الجحود بذريعة الإستمرار فنسخر ثم لا تغلبنا شِقوتنا ، أن نُخفي انكسارنا احتراما لك وأنت الغائبة الحاضرة فينا . فلا تثريب عليكِ يا سليلة الوفاء ، سنظل متمسكين بعهدك الغليظ ما دامت في هذه الأجساد المتعبة نبضات ، ولن نخذل ما بقي من شرف المروءة فينا على منوال صون الأشرف سليلك هذا الذي نستبصر فيه جسامة العهد الذي لن يُهدر ولن يظِل أبدا .
التعليقات مغلقة.