إشعار بدون معنى…

الانتفاضة __ سعيد ححي

وصلني إشعار أزرق ، يخبرني أن واجهة هذا فيس بوك قد تغيّرت وتم تحديثها ، وأن بعض الرتوشات أُضيفت بعناية مصمم لا يرى الوجوه بل يرى مؤشرات التفاعل. إشعار موسوم بالعاجل، كأنه بلاغ عسكري أو بيان طوارئ، بينما الأمر لا يتجاوز إعادة ترتيب الأقفاص داخل الحظيرة نفسها، تغيير اتجاه الريح الاصطناعية التي تهبّ على وجوهنا كل صباح، وتعديل لون السماء الرقمية حتى تبدو أقل قسوة على العيون المرهقة من التحديق…

تساءلتُ، لا عن فائدة التغيير، بل عن فائدة الإخبار. ما الجدوى من رسالة تحمل توقيع إدارة هذا العالم الافتراضي ، ونحن هنا في مقام المقيمين بلا أوراق، نعيش في فضاء لا تمنحنا فيه الإقامة حق الملكية، ولا تمنحنا الاستضافة حق الاعتراض. نحن عابرون بتصاريح مؤقتة، حسابات بأسماء مكتوبة بقلم رصاص، يمكن لمسّاح واحد من الخوارزميات أن يمرّ عليها فيمحونا، بلا سابق إنذار، بلا محكمة، بلا جنازة رقمية تليق بسنوات من الأرشفة والبوح….

الإشعار بدا كابتسامة موظف استقبال في إمبراطورية زجاجية، يرحّب بك ثم يذكّرك ضمنيا أن المفاتيح في جيبه وحده. تأملته طويلا، وابتسمتُ بسخرية خفيفة، سخرية من يعرف أنه لا يملك شبرا واحدا على هذه الأرض الزرقاء، ومع ذلك يُسأل عن رأيه في لون الجدران، في ترتيب الأيقونات، في شكل النافذة التي يطلّ منها على العالم. سؤال الرأي هنا يشبه استفتاء السجناء حول لون الزنزانة، أو استشارة القطيع حول ارتفاع السياج…

في تلك اللحظة تذكّرت كيف تضيق مساحة الرأي كلما اتسعت مساحة المنصة. كيف يتحوّل الحق في التعبير إلى امتياز مشروط، وكيف تصاغ الكتابة وفق مقاسات السياسة الداخلية لهذا العالم، سياسة لا تُرى، لا تناقش، لكنها تعمل بهدوء جراحة دقيقة. الكلمات توزن، النبرة تُراقَب، الإشارات تُفكَّك، والمعنى نفسه يصبح مادة قابلة للمصادرة. الكتابة هنا تمرّ عبر مصافي خفية، تشبه ما تخيّله كافكا حين كان الباب مفتوحا والحارس واقفا، انتظار طويل أمام قانون لا يكشف وجهه…

ما نعيشه ليس فضاء تواصليا بالمعنى الرومانسي، بل هندسة اجتماعية دقيقة، معمار رقميّ يقوم على اقتصاد الانتباه، حيث تقاس القيمة بعدد الثواني، وتُختزل الذات في مخطط بياني، ويعاد تشكيل الوعي عبر تدفقات محسوبة. الخوارزميات لا تفرض الصمت، لكنها تعلّمنا أيّ الأصوات يُكافأ وأيّها يُدفن في القاع، وأيّ المعاني يُرفع إلى الضوء وأيّها يُترك ليتعتّم في الظل. هنا يستعيد فوكو حضوره، لا كاقتباس مباشر، بل كطيف يهمس بأن السلطة لا تحتاج إلى العصا ما دامت تمتلك القدرة على تنظيم الرؤية…

يسألوننا إن أعجبنا الشكل الجديد، اللون الجديد، الإيقاع الجديد، وكأن المشكلة كانت يوما في الواجهة. السؤال ذاته جزء من الطقس، طقس الإيهام بالمشاركة، إشراك رمزيّ يمنحك وهم السيادة بينما تُسحب منك أدواتها واحدة تلو الأخرى. نحن نضغط “أعجبني” على تصميم لم نختره، ونمنح تقييما لتجربة صُمّمت سلفا لتوجيه سلوكنا، لا لقياس رضانا. هنا تتحوّل الديمقراطية إلى زرّ، والاختيار إلى انزلاق إصبعي على شاشة ملساء …

نحن مهاجرون في هذا الفضاء، نقتات على المعنى من شقوق النصوص، نعيد تدوير الأفكار، نُلمّع جُملا كي تصمد قليلا في تيار النسيان السريع. ومع ذلك، يُنظر إلينا كقطيع يُدار بالرغبة، يساق بالخوف من الاختفاء، ويُطعَم بجرعات صغيرة من الشعور بالأهمية. ضيعة مارك واسعة، مسيجة بالبرمجة، مزروعة بالبيانات، ونحن نُخيَّر في نوع العشب، نيّئا كان أو يابسا، بينما الأرض لا تحمل أسماءنا…

العجب ليس في التغيير، فالتغيير قانون هذه الإمبراطوريات، بل في هذا الإصرار على إشراكنا في تفاصيل لا تمسّ جوهر السيطرة. العجب في أن يُطلب رأي من لا يملك حق البقاء. العجب في أن يُستدعى صوتنا للتزيين، لا للتأثير. كأن أورويل يطلّ من خلف الشاشة، لا ليحذّر من الأخ الأكبر، بل ليشير إلى نسخته الأكثر تهذيبا، الأخ الذي يبتسم، يستطلع، ويواصل المراقبة…

وهكذا، نغلق الإشعار، نعود إلى التمرير اللانهائي، نحمل وعينا كحقيبة خفيفة، ونعرف في قرارة أنفسنا أن هذه الأرض الزرقاء لا تحفظ آثار الأقدام. كل ما تريده منا أن نمرّ، أن نستهلك، أن نترك خلفنا بيانات دافئة، ثم نمضي، أو نمحى، والواجهة ستتغيّر من جديد، وسيصل إشعار آخر، عاجل أكثر، ليخبرنا أن القفص صار أجمل…

التعليقات مغلقة.