الانتفاضة
يقول عبد الرحمن الكواكبي:
«إذا تآزرت القلوب قبل الأيادي، استقام العمران، وإذا تفرّق الإحساس سقطت المجتمعات وإن كثرت مواردها… فالخير لا يقوم بالنية وحدها، وإنما بحسن تدبيره وانتظام مسالكه بين الناس…»
حين تتكاثف الحاجة، ويشتد العوز الصامت في تفاصيل اليومي، يبرز الفعل الإنساني بوصفه ضرورة وجودية لا خيارًا أخلاقيًا مؤجلًا… ومن هذا الأفق تحديدًا تتشكّل مبادرة ذات ملامح واضحة، تُعيد ترتيب العلاقة بين الصحة والتكافل، وتربط بين القرب الاجتماعي والتنظيم المؤسسي، في مسار تتقدّمه مؤسسة اقرأ وهي تفتح فضاءها لعمل تضامني واسع الامتداد، يحتضن الجسد والوجدان معًا، على امتداد أيام 24 و25 و26 يناير 2026، بمقرها الكائن بتجزئة الإصلاح.
ولأن أي فعل لا يُقاس بنيته وإنما بأثره، فقد اتجه هذا المسار إلى حيث تتكثف الهشاشة وتضيق الخيارات… الأيتام، الأرامل، والأسر المعوزة، في قلب الرؤية، لا باعتبارهم موضوع إحسان، وإنما باعتبارهم محور استحقاق، وهو انتقال دلالي بالغ الأهمية، ينقل العمل الخيري من منطق الصدفة إلى منطق الأولوية، ومن ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي.
وانسجامًا مع هذا التصور، جاء البناء الصحي لهذه القافلة متعدد الطبقات، متدرج الوظائف، بحيث يخدم الحاضر ويستشرف الآتي… فالطب العام وطب الأطفال يشكّلان القاعدة الأولى، ليس فقط للتشخيص، وإنما لإعادة الطمأنينة إلى أسر أنهكها القلق الصحي، ثم يتفرّع المسار نحو طب العيون وفحص البصر، حيث يصبح الوضوح أكثر من قدرة بصرية، ويغدو شرطًا أساسيًا للاندماج المدرسي والمهني والاجتماعي.
ومن حيث تتقاطع الوقاية بالكرامة، يحضر طب الأسنان بوصفه عنصرًا لا يقل أهمية، إذ أن الألم الصامت للأسنان كثيرًا ما يتحول إلى معيق يومي خفي، فيما يُستكمل هذا النسق بإدراج الترويض الطبي وتقويم النطق، في خطوة تكشف عن وعي نادر بأن الصحة لا تُختزل في غياب المرض، وإنما في استعادة الوظيفة، والقدرة، والتواصل… وهي مقاربة تلامس فئات غالبًا ما تُقصى من الاهتمام رغم هشاشتها المركبة.
وإذا كان هذا الامتداد العلاجي يعكس شمولية الرؤية، فإن عملية الختان الجماعي تأتي لتُدرج البعد الصحي ضمن سياقه الاجتماعي والثقافي، في تنظيم طبي يراعي شروط السلامة، ويخفف عن الأسر أعباءً مادية ونفسية، ويحوّل ممارسة متداولة إلى فعل منضبط، يوازن بين التقليد والوقاية.
غير أن جوهر هذه المبادرة لا يكتمل دون التوقف عند نداء التبرع بالدم، ذاك الفعل الذي تختزل فيه الإنسانية معناها الأصفى… «قطرة من دمك… حياة لغيرك»، ليست عبارة إنشائية، وإنما معادلة أخلاقية دقيقة، حيث يتحول العطاء البيولوجي إلى امتداد وجودي للآخر، ويغدو الجسد نفسه أداة نجاة، وهو ما يجعل من التبرع بالدم ذروة هذا الفعل التضامني، ونقطته الأكثر كثافة دلالية.
ومن الطبيعي، والحال هذه، أن تتحول المشاركة المجتمعية إلى عنصر حاسم في إنجاح هذا المسار… فالحضور هنا ليس حضورًا شكليًا، وإنما انخراط واعٍ في بناء معنى مشترك، حيث تتقاطع المسؤولية الفردية مع المصلحة العامة، ويصبح كل متبرع، وكل مستفيد، وكل متطوع، حلقة في سلسلة الخير المنظَّم.
ولعل في قول ألبير شفايتزر ما يلخّص هذا الأفق حين اعتبر أن «الإنسان يصبح إنسانًا حقًا عندما يشعر بألم غيره كأنه ألمه»، وهو معنى يتجسد بوضوح في هذه القافلة، التي لم تكتفِ بتشخيص العلل، وإنما سعت إلى ترميم ما تآكل من الثقة، وما انكسر من الأمل.
هكذا، وبمنطق متدرج، ينتقل هذا الفعل التضامني من الرؤية إلى التنفيذ، ومن الحاجة إلى الاستجابة، ومن الفردي إلى الجماعي… في تجربة تُثبت أن التعاون حين يُحسن تنظيمه، يتحول إلى سياسة أخلاقية غير معلنة، وإلى قوة هادئة قادرة على إحداث الفرق، ولو في صمت… وتلك، في جوهرها، رسالة مؤسسة اقرأ وهي تكتب سطرًا جديدًا في سجل العمل الإنساني، سطرًا لا يُقرأ بالكلمات وحدها، وإنما بالأثر الذي يتركه في حياة الناس…
التعليقات مغلقة.