الفنيدق بين الواقع والمستقبل

من تدبير الأزمات إلى بناء البدائل التنموية

0

الانتفاضة/ بقلم: عبدالنور الحسناو

ليست الفنيدق مجرد مدينة تقع على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ولا مجرد مجال ترابي يجاور سبتة المحتلة، بل هي مدينة تختزن تاريخاً من التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتتوفر على مؤهلات جغرافية وبشرية مهمة، تجعلها قادرة على احتلال مكانة متقدمة ضمن الدينامية التنموية التي تعرفها جهة طنجة-تطوان-الحسيمة.

لكن بين ما تتوفر عليه المدينة من إمكانات، وما تعيشه فئات واسعة من ساكنتها من انتظارات وتحديات، تبرز فجوة تنموية تستدعي نقاشاً سياسياً ومجتمعياً مسؤولاً، يتجاوز منطق التشخيص التقليدي إلى مساءلة الاختيارات التنموية، وتحديد المسؤوليات المؤسساتية، واقتراح بدائل واقعية تستجيب لحاجيات المواطنين.

إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: ماذا تحقق في الفنيدق؟ بل أيضاً: هل استطاعت السياسات العمومية المتعاقبة أن تؤسس لاقتصاد محلي قادر على خلق الثروة وفرص الشغل؟ وهل تحولت المؤهلات الاستراتيجية للمدينة إلى فرص حقيقية لتحسين مستوى عيش ساكنتها؟ وأي مستقبل نريد لهذه المدينة وللأجيال الصاعدة فيها؟

أولاً: اقتصاد محلي يبحث عن نموذج جديد

لا يمكن فهم واقع الفنيدق الاقتصادي دون استحضار التحولات التي عرفتها الأنشطة التجارية المرتبطة بسبتة المحتلة، والتي شكلت، لسنوات طويلة، مصدر دخل مباشر أو غير مباشر لعدد مهم من الأسر والمهنيين.

لقد أظهرت هذه التحولات أن الاعتماد على نشاط اقتصادي محدود القاعدة، ومرتبط بعوامل خارجية، يجعل الاستقرار الاجتماعي عرضة للاهتزاز كلما تغيرت الظروف المحيطة به.

ومن هنا، فإن الرهان الأساسي لا يتمثل في استعادة نموذج اقتصادي سابق بكل اختلالاته، بل في بناء نموذج جديد، متنوع ومستدام، يتيح للفنيدق الانتقال من اقتصاد يتأثر بالأزمات إلى اقتصاد ينتج الفرص ويخلق القيمة المضافة.

لقد أصبحت الحاجة ملحة إلى رؤية اقتصادية تضع التجارة المنظمة، والسياحة، والخدمات، والمقاولات الصغرى والمتوسطة، والتكوين المهني، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، في صلب استراتيجية تنموية متكاملة.

فلا يعقل أن تستمر مدينة بموقع الفنيدق ومؤهلاتها في البحث عن أجوبة مؤقتة لإشكالات التشغيل، بينما تتيح التحولات الاقتصادية التي تعرفها جهة الشمال فرصاً تستحق الاستكشاف والاستثمار.

إن المطلوب هو الانتقال من منطق تدبير آثار الأزمات إلى منطق استباقها، عبر خلق بدائل اقتصادية حقيقية، تضمن الكرامة والاستقرار، وتمنح الشباب الثقة في المستقبل.

ثانياً: منطقة الأنشطة الاقتصادية.. فرصة ينبغي تقييم أثرها

شكّل إحداث منطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق خطوة مهمة ضمن محاولات إعادة هيكلة النشاط التجاري بالمدينة والمنطقة، باعتبارها فضاءً موجهاً لأنشطة التجارة والتوزيع.

غير أن أهمية المشاريع لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الاستثمارات المرصودة لها أو بالبنيات التي تم إنجازها، بل بمدى قدرتها على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي ملموس.

فالسؤال الجوهري اليوم هو: إلى أي حد استطاعت هذه المنطقة أن تسهم في خلق فرص شغل مستدامة؟ وما حجم استفادة التجار المحليين والمقاولات الصغرى منها؟ وهل تتوفر الأنشطة القائمة بها على شروط التوسع والتنافسية والاندماج في سلاسل التوزيع الوطنية والدولية؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف التقليل من قيمة المبادرات المنجزة، بل تؤكد ضرورة إخضاع السياسات الاقتصادية للتقييم الموضوعي، حتى يمكن تطويرها وتصحيح اختلالاتها وتعزيز مردوديتها.

ومن هذا المنطلق، ندعو إلى تقييم اقتصادي واجتماعي شامل لمنطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق، مع نشر المؤشرات المتعلقة بالمقاولات المستقرة بها، وفرص الشغل المحدثة، ونسب استمرارية المشاريع، وحجم مساهمتها في الدورة الاقتصادية المحلية.

كما ينبغي التفكير في مرحلة جديدة لتطوير هذا الفضاء، عبر تعزيز الخدمات اللوجستيكية والتسويقية، وتيسير مواكبة المقاولات، وتوسيع فرص استفادة الشباب والمهنيين المحليين، بما يجعل المنطقة رافعة فعلية للتشغيل والتنمية.

ثالثاً: السياحة.. من موسمية النشاط إلى استدامة التنمية

تمتلك الفنيدق مؤهلات سياحية مهمة، بفضل موقعها الساحلي ومحيطها الطبيعي وقربها من عدد من الوجهات السياحية بالمنطقة الشمالية.

لكن الرهان لا يكمن في السياحة الصيفية وحدها، بل في بناء عرض سياحي متكامل يستطيع استقطاب الزوار على مدار السنة، ويخلق فرصاً مستقرة للعمل والاستثمار.

وهذا يقتضي تأهيل الفضاءات العمومية، وتحسين جاذبية المدينة، وتطوير البنيات التحتية والخدمات، وتشجيع الاستثمار في الإيواء والمطاعم والترفيه والأنشطة الرياضية والثقافية، إلى جانب دعم المبادرات المحلية التي تتيح للساكنة الاستفادة من الحركية السياحية.

كما يتطلب الأمر ربط السياحة بالتجارة والصناعة التقليدية والمنتجات المحلية، حتى لا تظل آثار النشاط السياحي محصورة في قطاعات محدودة أو في فترات زمنية قصيرة.

إن السياحة ينبغي أن تتحول إلى رافعة للتنمية المحلية، لا إلى نشاط موسمي فقط؛ وإلى مصدر لفرص الشغل اللائق، لا مجرد واجهة عمرانية جميلة.

رابعاً: المسؤولية المؤسساتية.. من يخطط؟ ومن ينفذ؟ ومن يحاسب؟

إن أي نقاش جاد حول مستقبل الفنيدق لا يمكن أن يتجاهل مسألة المسؤولية المؤسساتية.

فالتنمية المحلية ليست اختصاصاً حصرياً لمؤسسة واحدة، كما لا يمكن تحميل جهة واحدة مسؤولية جميع الاختلالات. هناك اختصاصات للجماعة الترابية، وأدوار لمجلس العمالة، ومجلس الجهة، ومصالح الدولة، والمؤسسات العمومية، إلى جانب مسؤولية الحكومة في السياسات القطاعية والاستثمار والتشغيل.

غير أن تعدد المتدخلين لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتشتت المسؤوليات أو غياب الالتقائية بين البرامج والمشاريع.

إن المواطن لا يعنيه كثيراً معرفة الجهة التي أعدت الاتفاقية أو المؤسسة التي رصدت الاعتمادات، بقدر ما يعنيه أن يجد فرصة عمل، وشارعاً مؤهلاً، وخدمات عمومية جيدة، ومحيطاً حضرياً يليق بكرامته.

ومن هنا، تبرز ضرورة إرساء تعاقد تنموي واضح للفنيدق،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.