فتنة كرة القدم

الانتفاضة  //  سعيد حجي 

في كل مرة تكتب فيها عن كرة القدم، يقف لك البعض بالمرصاد كأنك اقترفت جرما، يعاتبونك بنبرة أخلاقية جوفاء، كيف تترك الحديث عن الخبز والغلاء والمعاناة اليومية لتكتب عن جلد منفوخ تركله الأرجل! وكأن العقل لا يمكنه أن يتناول مواضيع متعددة في الآن نفسه، وكأن الوعي البشري يُختصر في سطر واحد، أو ينحصر في قالب ضيق لا يسع إلا الشكوى والنواح…

لكن الحقيقة التي يغفل عنها هؤلاء أن كرة القدم ليست نكتة عابرة في دفتر المجتمع، وإنما اصبحت منظومة قائمة بذاتها، ذات نسيج اقتصادي واجتماعي وثقافي متشابك، وإذا جاز للبعض أن ينظر إليها من زاوية الترف أو التسلية، فإن الواقع يحيلنا على أن خلفها آلاف الأسر تعيش منها ، آلاف الأجساد التي تنهض كل صباح لتنظف مدرجا، أو تصلح مرمى، أو تجهز مستودعا، أو تبيع تذكرة، أو تدرب طفلا في حي شعبي يحلم يوما أن يكون مُعيلا …

كرة القدم اليوم صارت بنية تحتية معقدة، ومجال اشتغال ، ورافدا اقتصاديا. الملايير التي صُرفت عليها، من مال الشعب، لا يمكن الصمت أمام مآلاتها. فمن واجبنا كمواطنين واعين، أن نراقب كيف تُدار هذه الميزانيات، كيف تُستثمر، كيف تُوجّه. النقد هنا ليس نزوة، إنما وظيفة عقلية، رافعة للمساءلة، لأن من لا يحاسب المؤسسات القائمة على ملعب الكرة، لن يجرؤ أن يحاسب الدولة في قطاعات أخطر…

ثم إن التحجج بالأزمات المعيشية لرفض الحديث عن الرياضة هو بحد ذاته شكل من أشكال التهرب من فكرة أن الإنسان كائن متعدد الأبعاد، يتنفس السياسة، ويأكل الخبز، ويشاهد الكرة، ويتأثر بالفن، ويقرأ الرواية، ويخوض النقاش الفلسفي، ولا يمكن اختزاله في معدته فقط…

الناقد الفرنسي إدغار موران حين حلل بنية الكرة الجماهيرية، قال إن “الملعب هو مرآة مكبرة للمجتمع”، حيث يتكثف فيه اللاشعور الجمعي، حيث تنكشف الانتماءات، وتُختبر مشاعر الهوية والانتماء والخذلان. بمعنى، الحديث عن الكرة هو حديث عن الذات الجماعية، عن المزاج الوطني، عن تلك الطاقة الرمزية التي قد ترفع شعبا أو تهوي به في قاع السخرية…

ثم إننا لا نعيش خارج الزمن. كرة القدم اليوم تُسهم في تشكيل الصورة الدولية للدولة، هي خطاب ناعم كما يسميه بيير بورديو، تُستخدم فيه الأقدام كأدوات دبلوماسية، وتُدار فيه معارك سياسية تحت غطاء المنافسة الرياضية. حين تذهب دولة إلى تنظيم بطولة قارية، فهي تُدخل نفسها طوعا في مرآة الرأي العام العالمي. وكل خطأ أو انحراف في التنظيم أو الأداء أو الخطاب، يُخصم من رصيدها الرمزي. أليس من حقنا إذن أن ننتقد ونكتب ونصرخ حين نرى أن هذا الاستثمار يضيع بين أقدام المدربين والإداريين وسوء التسيير؟

ثم إن كرة القدم أيضا، في مجتمعات الكبت والاحتقان، ليست ترفا، بل متنفسا. فحين تخذلنا السياسة، ويكذب علينا الاقتصاد، وتخنقنا المعاناة اليومية، يصبح الهدف في مرمى الخصم، لحظة نشوة جماعية نادرة، لحظة يتصالح فيها الفرد مع فكرة أنه ما يزال قادرا على الفرح، ولو لثوان. وإذا ضاعت تلك اللحظة، أو تم العبث بها، فإننا نفقد حتى وهم الفرح…

وحين نقول إن النقد واجب، فلا يعني ذلك أننا نوافق على التبذير، أو نغفل المآسي، بل نحن نضع كرة القدم في سياقها، نحمّلها مسؤوليتها الرمزية، نحاكمها بمنطق الإنفاق العام، وبمنطق الأثر الاجتماعي، وبمنطق التمثيل الوطني…

إن الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي حين تحدث عن الثقافة الشعبية، قال إن أكثر ما يُحتقر من خطاب العامة، هو ما يعكس وجدانهم الحقيقي. وكرة القدم، في وجدان الناس، ليست لعبة فحسب ، بل خيط دقيق يصل الفقر بالحلم، واليأس بالفرح، والتهميش بالنجومية، والمواطنة بالانتماء…

فلا تعاتبونا إن كتبنا عن الكرة، لأننا حين نفعل، فنحن لا نهرب من الواقع، بل نحاول أن نفهمه من زاوية أخرى، زاوية ربما تنبهنا إلى كيف يصرف المال، وكيف تُفكك العقول، وكيف تبنى الهويات، وحين تسقط الفرق الوطنية من الأدوار الأولى، فنحن لا نحزن على هزيمة رياضية، بقدر ما نحزن على الملايير التي ذهبت، على الفرص التي أهدرت، وعلى الحلم الجماعي الذي تكسّر في الملعب، كما تكسّر قبله في المدرسة والمستشفى وسوق العمل…

الوعي لا يكون انتقائيا، والنقد لا يحابي المواضيع، والكرامة لا تعرف الميادين، من حق هذا الشعب أن يتساءل في كل قطاع، حتى ولو كان ملعبا عشبه أخضر وأعلامه ترفرف، لأن هذا أيضا اسمه الوطن..الوعي لا يكون انتقائيا، والنقد لا يحابي المواضيع، والكرامة لا تعرف الميادين، من حق هذا الشعب أن يتساءل في كل قطاع، حتى ولو كان ملعبا عشبه أخضر وأعلامه ترفرف، لأن هذا أيضا اسمه الوطن..

التعليقات مغلقة.