الإنتفاضة
بقلم محمد السعيد مازغ
أعادت بعض التدخلات المرتبطة بتدبير آثار التساقطات المطرية وطفح قنوات الصرف الصحي إلى الواجهة النقاش حول حدود النقد البنّاء ومسؤولية الاجتهاد في تدبير الشأن المحلي. فالانتقاد أسلوب حضاري ، ووسيلة للتنبيه والوقوف على مكامن الخلل ، فحين ننتقد أسلوب التسيير، يكون الأملٌ في أن يتّسع صدر المسؤول لتقبّل النقد البنّاء، بعيدًا عن أية خلفيات أو حسابات شخصية ضيّقة. ويقينُنا أنّ المسؤول لا يملك عصًا سحرية للخلاص، غير أنّ ذلك لا يعفيه من واجب المبادرة والتعجيل بالحلول الممكنة. فإن وُفِّق في ذلك فله أجران، وإن أخفق فله أجر واحد، وبذلك يكون ضميره مرتاحًا، ويؤدّي عمله دون لوم أو ملامة. وفي مقابل النقد، لا بد من تثمين النماذج الإيجابية حين تفرض نفسها بالفعل لا بالشعارات. فرفع القبعة مستحقّ لمسؤول سهر على تتبّع الأشغال في وقتها، ولم يكتفِ بالتوقيع أو التفويض، بل بادر إلى تكليف لجنة متخصّصة للتنسيق ومواكبة الأشغال منذ انطلاقتها إلى غاية اكتمالها، اما الحضور الفردي في معزل عن المستسارين والأطقم التقنية ، ووجود عامل نظافة مغلوب على أمره ، والخوف من أن يَبْتَلَّ حذاء المسؤول ،فهو مجرد لقطة خاطفة أو مشهد من فيلم وثائقي صامت لن يجف زقاقا ولن يزيل رائحة نَثِنَة.
إن زمن الاتفاقات التي تبرم تحت الطاولة قد ولى، وإن كانت مخلفاته ما تزال تثقل كاهل المدينة الى اليوم ، ولعلّ في الواقع القريب ما يكفي للعبرة، إذ إن عددًا ممن أُنيطت بهم في مراحل سابقة مسؤولية تدبير الشأن المحلي، وجدوا أنفسهم اليوم خلف القضبان أو أمام محكمة جرائم الأموال، ومنهم من قضى نحبه، في مشهد يختصر كلفة العبث بالمسؤولية، ويؤكد أن سوء التدبير لا تحجبه المناصب ولا تسقطه السنوات. إن النقد ليس استصغارا للشخص، كما أن الإشادة ليست تزكية مطلقة. كلاهما وجهان لواجبٍ واحد: ترسيخ ثقافة المسؤولية وربطها بالمحاسبة. فحين يُحسن المسؤول التدبير ويُبادر بالفعل، يستحق التقدير، وحين يخطئ بعد الاجتهاد يُعذر، أما التهاون والاختباء خلف الأعذار، فذلك ما لم يعد يقبله واقع ولا يرحمه تاريخ.
التعليقات مغلقة.