ويوم تتكلم بصوتها الحقيقي، ستسقط أقنعة الروايات المصنوعة

الانتفاضة // سعيد حجي 

تفرجت مؤخرا على عمل سينمائي غربي يحمل العنوان المضلل “الملك الاخير لاسكتلندا”، عنوان يبدو في ظاهره كأننا أمام دراما ملكية بريطانية، لكنه يخفي تحته سردية استعمارية متخفية، يعاد فيها إنتاج نفس المنظور المتعالي الذي لطالما تبناه الغرب حين يتحدث عن الشرق او عن افريقيا، لا كقارة قائمة بذاتها، بل كخلفية مظلمة لروايته الكبرى…

الفيلم الذي يحمل اسما براقا ، يروي من خلاله قصة طبيب اسكتلندي شاب، يأتي إلى أوغندا في سبعينيات القرن الماضي، وهناك يرتبط بواحد من أكثر زعماء إفريقيا إثارة للجدل، الرئيس “عيدي أمين”، فيتحول تدريجيا من مجرد زائر إلى شاهد، ثم إلى ضحية، وأخيرا إلى الناجي الوحيد من “الغابة الإفريقية” التي يقدّمها الفيلم كمكان فوضوي، دموي، بلا ضوابط ولا عقل، لا يُفهم إلا من خلال عين الرجل الأبيض…

من البداية، تختبئ رسالة الفيلم في اختيار بطله: ليس إفريقيا يروي تجربته، بل غربي يُسلط الضوء على ما يراه، فيصبح الراوي والمقيّم، والحَكم. تُسحب الحكاية من يد أصحابها، وتعاد حياكتها من خلال عدسة الآخر، ليصبح الواقع الإفريقي مجرد خلفية سوداوية تسلطية لمغامرة “روحية” يخوضها الغربي في حديقة مظلمة…

هذا الشكل من السينما لا يطرح أسئلة، بل يزرع أجوبة مُعلّبة.

هو ليس فنا بريئا، بل امتداد لهيمنة رمزية، يعيد إنتاج العلاقة بين المركز والهامش، بين المُراقِب والمُراقَب، بين “الذات” و”الآخر”. الذات دائما هي الغرب، عقلاني، منظم، أخلاقي، يتقن الفهم والتحليل. أما الآخر، فهو المتخلف، الفوضوي، العنيف، لا يعرف نفسه إلا حين يُشرح له، لا يفهم ماضيه إلا حين يُكتب له…

ادوارد سعيد حين تحدث عن الاستشراق لم يكن يتحدث عن صور المستشرقين فقط، بل عن البُنى الخفية التي تحكم السرد، كيف يُكتب تاريخ شعب، وكيف يعاد إنتاجه داخل الثقافة المهيمنة.

“الملك الأخير لاسكتلندا” فيلم يستعير حبكة إنسانية ليعيد فيها ترتيب الأدوار: الطبيب الأبيض الذي يصبح ضحية، والرئيس الإفريقي الذي يتحول إلى وحش.

تُختزل إفريقيا كلها في رجل واحد، في جنونه، في سلطويته، وتُختزل نجاة القارة في طبيب شاب كان “قريبا من الخطر لكنه عرف طريقه إلى النجاة”، وكأن الرسالة تقول: النجاة لا تكون إلا بالغرب.

في المشهد الخلفي للفيلم، هناك سردية سياسية، استعمارية، ثقافية، تُغذى بلا توقف: أن الإفريقي لا يُحكم إلا بالقوة.

أن الديمقراطية لا تنبت إلا في تربة الشمال. أن الطبيب الأبيض يفهم جسد الرئيس الأسود أكثر مما يفهمه هو.

أن الإنسان في إفريقيا ليس سوى مشروع كارثة إن تُرك لحاله…

الفن هنا ليس فرجة، بل هندسة ناعمة للعقل.

اللاوعي يبتلع الصورة، يعيد تكرارها، حتى تصبح جزءا من البنية التحتية للوعي الجمعي. وهذا ما كان يشير إليه بيير بورديو في نقده للهيمنة الرمزية: حين تهيمن الصورة، تهيمن معها مفاهيمها، وتصبح الأكثر خطورة لأنها لا تُفرض، بل تُستهلك…

السؤال الأعمق: لماذا دائما يقدم الشرقي في الاعمال السنمائية كبربري والعالم الثالث كمسرح لفوضى لا عقل فيها؟ ولماذا حين يُظهر الغرب عيوب “الآخر”، يُمنح وسام الشجاعة الأخلاقية؟ ولماذا لا تُصوَّر جرائم الاستعمار بنفس الحدة؟

أين الطبيب الإفريقي الذي يرى جرائم الاستعمار؟ لماذا لا نراه بطلا في أفلامهم؟ الفيلم ليس إلا واحدا من آلاف الإنتاجات التي تنمّط صورة الآخر.

كما قال خوسيه ساراماغو: “السلطة ليست في من يروي الحكاية، بل في من يختار من يرويها”. ومنذ البداية، اختار الغرب أن تكون كاميرته هي الراوي، والصوت، والعين.

هذه السينما تكرّس صورة الذات المتفوقة والآخر القاصر.

وهذه ليست محض خيال، بل عملية غسيل بطيء للوعي.

حين نبتلع هذه الصورة مرة، نكررها بلا وعي مئات المرات، فننظر إلى أنفسنا بأعين غيرنا، ونجد فيهم دائما المعيار…

في فيلم مثل هذا، لا ينتصر الفن، بل تنتصر النظرة الفوقية، تتجدد أدوات السيطرة، لا عبر الجيوش، بل عبر السرد، لا عبر الاحتلال، بل عبر الكاميرا.

افريقيا ليست خلفية لمأساة غربي. هي ليست ممر عبور روحي لطبيب يبحث عن “حقيقته”.

افريقيا ذاكرة، وهوية، صوت.

ويوم تتكلم بصوتها الحقيقي، ستسقط أقنعة الروايات المصنوعة…

التعليقات مغلقة.