29 نونبر بالقنيطرة… حين وضعت الهيئة خريطة الطريق نحو تنظيم مستدام

0

الانتفاضة // ✍️ محمد الشندودي // رئيس المجلس الوطني لهيئة المتقاعدين المغاربة

في القنيطرة، يوم 29 نونبر، لم يكن المتقاعدون مجرد جمهور حضر دورة تنظيمية، بل كانوا شهودا على لحظة تاسيسية تشبه اعلان ولادة جديدة لهيئة قررت أن تنتقل من رد الفعل الى صناعة الفعل، ومن الانتظارية الى المبادرة، ومن التشتت الى التنظيم.

كانت القاعة تضج بالأسئلة، والرغبة في التغيير، والإيمان بأن المستقبل لا يمنح، بل يبنى خطوة خطوة، وبايد تعرف معنى التضحية وثمن الكرامة.

لقد أثبتت تلك المحطة ان هيئة المتقاعدين المغاربة لم تعد تقبل أن تختزل في لقاءات مناسباتية أو خطابات عاطفية.

ما حدث كان اكبر من اجتماع: كان اتفاقا ضمنيا بين الحاضرين على أن التنظيم هو المعركة الاولى، وإن بناء مؤسسة قوية لا يتم بالشعارات، بل بخريطة طريق واضحة تشرف عليها عقول خبيرة وضمائر نظيفة.

في تلك اللحظة، اختارت الهيئة أن توجه رسائل سياسية دقيقة الى الحكومة، رسائل تجمع بين الصمت الموزون والوضوح الحاد.

لقد قالت الهيئة بلغة لا تقبل الإلتباس إن عهد التعامل مع المتقاعدين كتكلفة اجتماعية قد انتهى.

وإن كل محاولة لطمس حقوقهم او الالتفاف عليها ستواجه بجسم منظم وواع بدلالات المرحلة.

كانت رسائل هادئة في ظاهرها، لكنها حاسمة في مضمونها: من لا يحترم المتقاعدين لا يحترم ذاكرة الدولة ذاتها.

من رحم تلك اللحظة، برز السؤال الجوهري: كيف نعزز تنظيم الهيئة بشكل مستدام؟
ولم يكن السؤال نظريا، بل نتيجة وعي جديد بأن القوة الحقيقية لاي هيئة اجتماعية لا تقاس بعدد البيانات ولا بحجم الغضب، بل بقدرتها على بناء مؤسسات داخلية متماسكة، وهياكل منتظمة، ومسارات واضحة لا تتغير بتغير الاشخاص او الظروف.

لقد بدا واضحا ان الهيئة لا تبحث عن اصلاح ظرفي، بل عن بناء مؤسسات دائمة تستطيع الصمود امام تقلبات السياسة وتغير الوجوه.

فالتنظيم هنا ليس مجرد هيكلة، بل مشروع حياة جماعية يبدأ من تصحيح أعطاب الماضي، ويمتد نحو تأسيس ثقافة داخلية عنوانها الانضباط والمسؤولية.

والرهان الحقيقي لا يكمن في فتح المكاتب، بل في خلق عقل مؤسساتي يضمن انتظام العمل واستمراره حتى في غياب الأفراد.

ومن هنا، تبرز الخطوات الاساسية التي يجب ان تشكل قاعدة العمل في المرحلة المقبلة:

أولا، بناء هيكلة واضحة وفعالة، تحدد فيها المسؤوليات بدقة، وتوزع فيها المهام دون غموض أو ازدواجية.
ثانيا، ترسيخ الشفافية والحكامة، حتى يشعر كل متقاعد أن الهيئة ملك له، وأن القرارات تصنع أمام الجميع لا خلف الابواب.
ثالثا، توسيع قاعدة الانخراط والتمثيل، لأن هيئة بلا قواعد اجتماعية واسعة تصبح صدى محدودا لا صوتا وطنيا.
رابعا، تكوين الكفاءات، لان اي تنظيم يستمر يحتاج إلى جيل جديد من القيادات المؤهلة، القادرة على التفكير والتفاوض والدفاع.
خامسا، تطوير التواصل الداخلي والخارجي، لتتحول الهيئة الى مرجع وطني في قضايا التقاعد والكرامة الاجتماعية.
سادسا، ارساء شراكات قوية مع المؤسسات والهيئات الوطنية والدولية، لإعطاء الملفات قوة اضافية.
وسابعا، بلورة ملف مطلبي موحد وقابل للتفاوض، حتى يكون للهيئة خطاب واحد وصوت واحد.
واخيرا، ضمان الاستدامة المالية، حتى لا تبقى الهيئة معلقة على مبادرات ظرفية او تطوعية محدودة.

وإذا كان يوم 29 نونبر قد شكل لحظة انفجار الوعي، فان ما بعده لن يكون نزهة. فالمعركة بدأت فعليا: معركة تثبيت صوت المتقاعدين داخل القرار العمومي، وفرض احترامهم كشريك اجتماعي لا كطرف يتم استدعاؤه عند الحاجة.

ولعل أقوى ما خرجت به الهيئة من تلك الدورة هو هذا اليقين: ان زمن الصمت انتهى، وأن الدولة لن تكون مهيئة لتجاهل قوة اجتماعية قررت أن تعود إلى المشهد بذاكرة كبيرة وصبر أكبر وإرادة لا تهزم.

لقد كان يوم 29 نونبر يوما مفصليا، لا لانه جمع المتقاعدين تحت سقف واحد، بل لأنه اعاد تعريف معنى التنظيم داخل هيئة لطالما انتظر منها المتقاعدون الكثير.

واليوم، وبعد محطة القنيطرة، لم يعد ممكنا العودة إلى الوراء. فالتاريخ لا يرحم التردد، والمتقاعدون تعبوا من الانتظار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.