الانتفاضة/ أميمة السروت
وجهت رئاسة النيابة العامة منشورا تفصيليا إلى المسؤولين القضائيين بجميع درجات التقاضي، تناولت فيه أبرز المستجدات التي حملها القانون رقم 03.23 المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وذلك في إطار ضمان تنزيل دقيق وموحد لهذه الإصلاحات داخل مختلف النيابات العامة والمحاكم.
المنشور، الذي وجه إلى المحامي العام الأول لدى محكمة النقض، والوكلاء العامين للملك بمحاكم الاستئناف، ووكلاء الملك بالمحاكم الابتدائية، يأتي في سياق مواكبة التحولات التشريعية التي تهدف إلى تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، ورفع نجاعة البحث الجنائي، وتحديث أدوات العمل القضائي.
أحد أهم المستجدات التي توقف عندها المنشور يهم طرق معالجة الشكايات والوشايات مجهولة المصدر.
فبعد سنوات من الجدل حول خطورة الاتكاء على الوشايات المجهولة دون تحقق، جاء تعديل المادتين 40 و49 ليضعا مسارا جديدا يفرض:
-
تحريات أولية من طرف الشرطة القضائية قبل الإذن بفتح بحث؛
-
تقرير إخباري تُقيّم من خلاله النيابة العامة جدية الوقائع؛
-
فتح البحث القضائي فقط عند توفر مؤشرات قوية على حدوث الجريمة.
كما ألزم المنشور ضباط الشرطة القضائية بإحالة الوشايات المجهولة مباشرة على النيابة العامة قبل القيام بأي إجراء، تعزيزًا لرقابة هذه الأخيرة على انطلاق الأبحاث.
في خطوة تهدف إلى ضبط مسار تحريك المتابعات في قضايا المال العام، أشار المنشور إلى أن القانون الجديد وضع معايير صارمة لفتح الأبحاث، بحيث أصبحت هذه القضايا لا تُباشَر إلا بناءً على:
-
إحالة من المجلس الأعلى للحسابات،
-
أو طلب من المفتشيات العامة بالوزارات،
-
أو إ-حالة من الهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة،
-
أو أي هيئة أخرى مخولة قانونيا.
ويستثنى من ذلك فقط حالات التلبس.
هذا التقييد يأتي بهدف إسناد قضايا المال العام إلى المؤسسات الرقابية المختصة، وضمان جودة وموضوعية المعطيات قبل تحريك المتابعة.
المنشور أكد أن المستجدات الجديدة وسّعت نطاق الإشعارات التي تُوجهها النيابة العامة، فلم يعد الأمر يقتصر على قرارات الحفظ، بل شمل جميع القرارات المتعلقة بمآل الشكاية، مع إلزامية:
-
إشعار المشتكين،
-
وإشعار الضحايا،
-
وإشعار المحامين،
في أجل لا يتجاوز 15 يوما.
كما مكّن القانون المشتكين من حق التظلم من قرارات الحفظ أمام الوكلاء العامين أو أمام الوكيل العام بمحكمة النقض، مع إلزام النيابة العامة بتعليل قراراتها بشكل مكتوب ومفصل.
تضمن المنشور مجموعة من الإجراءات التنظيمية الجديدة، من أبرزها:
-
إمكانية إخضاع المشتبه فيهم لـ المراقبة القضائية أثناء البحث،
-
تنظيم دقيق لإصدار وإلغاء برقيات البحث،
-
توسيع حالات ردّ المحجوزات متى انتفت الحاجة إليها،
-
تحديد آجال واضحة لسحب جواز السفر أو إغلاق الحدود، مع إمكانية تمديدها في الجرائم الخطيرة.
هذه الإجراءات تهدف إلى تحقيق توازن بين فعالية البحث وضمان الحقوق والحريات الفردية.
أوضح المنشور أن القانون أدخل معيارا جديدا في الاختصاص المحلي، إذ أصبح وجود المشتبه فيه بالسجن سببا كافيا لإسناد الاختصاص للنيابة العامة التابعة لمكان المؤسسة السجنية.
كما توسع الاختصاص النوعي ليشمل فئات جديدة مثل:
-
الضباط العسكريون برتبة عميد فما فوق،
-
قضاة المحكمة العسكرية،
-
الكتاب العامون للعمالات،
-
رؤساء المناطق الحضرية.
في باب التكنولوجيا الرقمية، منح القانون للشرطة القضائية، بإذن من النيابة العامة، صلاحية:
-
التفتيش الرقمي للأجهزة الإلكترونية،
-
حجز المعطيات الرقمية بما فيها المسترجعة بعد الحذف،
-
إخضاعها للخبرة التقنية عند الاقتضاء.
كما شدد المنشور على احترام المقتضيات الجديدة للحراسة النظرية، وخاصة:
-
التحريات الأولية،
-
ضمان عدم المس بحقوق الدفاع،
-
التحقق من ضرورة وضع المشتبه فيه تحت الحراسة.
ومنح القانون للمشتبه فيه الحق في الاتصال بمحاميه منذ الساعة الأولى للحراسة النظرية، مع استثناء محدود في الجرائم الإرهابية وجرائم المادة 108.
كما أتاح الاستماع عن بُعد في حالات البعد الجغرافي أو الظروف الصحية، عبر الوسائل التقنية المرخص بها.
يعكس المنشور حرص رئاسة النيابة العامة على توحيد تطبيق المقتضيات الجديدة للمسطرة الجنائية، بما يضمن:
-
تعزيز الثقة في العدالة،
-
حماية الحقوق والحريات،
-
وتحسين جودة وفعالية الأبحاث الجنائية.
ومن المرتقب أن يحدث هذا الإصلاح تحولًا ملموسًا في طريقة اشتغال النيابات العامة والشرطة القضائية، خاصة مع دخول التعديلات حيز التنفيذ بداية 8 دجنبر 2025.
التعليقات مغلقة.