الانتفاضة // إلهام أوكادير
لا شك أن عددا كبيرا من المواطنين المغاربة، ترقبوا و بفارغ الصبر، ما سيتضمنه الخطاب الملكي من ردود أفعال ملكية، تعقيبا على الأحداث الأخيرة التي عرفتها شوارع معظم المدن المغربية جراء الإحتجاجات الأخيرة، التي جاءت مطالبة لإجراء إصلاحات إجتماعية جوهرية، و سحب الثقة من الرئيس الحالي للحكومة المغربية، مع محاسبة الفاسدين الذين تبث تورطهم.
و مما لا يخفى كذلك، أن مضامين الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد السادس، بمناسبة إفتتاح الدورة التشريعية الخامسة، من داخل مقر البرلمان بالرباط، مساء يوم أمس الجمعة، لم يستحسنها البعض، على اعتبار أنها جاءت معاكسة لتوقعاتهم، التي انصبت حول إقالة بعض العناصر الحكومية، التي ارتبط إسمها بالقطاعات الحيوية التي يعاني بسببها المواطن المغربي، كالتعليم و الصحة و القضاء و التشغيل، و الرئيس الحالي على وجه التحديد، بالإضافة لتولي وزارة الداخلية للقطاعين الحيويين، ألا وهما التعليم و الصحة، و محاسبة العناصر الفاسدة قضائيا، على حد ماتم التعبير عنه عبر مواقع التواصل الإجتماعية، وذلك بمجرد إنتهاء الخطاب الملكي.
إلا أن هناك نسبة عظمى من الجماهير التي انتهجت منظورا آخراً، والذين رأوا في موقف الملك حنكة و ذكاءاً و دبلوماسية عالية، تعكس حرص و التزام ديوان القصر الملكي باحترام صلاحياته من جهة، و صلاحيات باقي مؤسسات الدولة من جهة أخرى، تبعاً لدستور المملكة المغربية و ما يشمله من تسطير و تحديد لسياسة الدولة، هذا من جهة، و أن دعوته الحكومة للإستمرار في أداء مهامها و تحسين أدائها، يعتبر بمثابة تأكيد على ضرورة تحملها لمسؤوليتها التامة، وإنهاء الأهداف المسطرة فيما تبقّى من ولايتها، التي لا يمكن ربطها بالمحاسبة إلا بعد إنتهائها، فضلا عن إقراره لمسؤولية فئات عدة إعتادت توجيه أصابع الإتهام للغير دونا عنها و التي حصرها الملك في النواب البرلمانيين و الإعلام و المجتمع المدني، وذلك نظرا للدور الهام الذي يفترض أن يقوم به كلّ من هؤلاء، من أجل حصر الفساد و التسيّب و القضاء عليه بشكل فعلي، في إطار ما يعرف بتظافر الجهود.
مبرزين في الوقت ذاته قراءات تحليلية، تفيد أن الحكومة و ما تشمله من وزراء و رئيس منتخب، جاءوا نتيجة لاختيار و إجماع شعبي لا من الملك، و أن الملك ووفقا لما هو موجود في الدستور الذي اختاره المغاربة بملإ إرادتهم و بطلب منهم، قد تخلّى عن سلطة إقالة رئيس الحكومة، إعتبارا لذاك الإختيار الذي عبر عنه الشعب، والذي يُفترض فيه الوعي و التعقل، وذلك عبر قيامهم بانتخاب عناصر تتمتع بالكفاءة اللازمة والثقة الكافية، التي تخول لهم تمثيل الشعب و إدارة مصالحه، في إطار ” حكم الشعب نفسه بنفسه”، لا أن يطالبوا الملك بتصحيح أخطاء شعبوية ناتجة عن إختيارات خائبة، جاءت نتيجة لسوء استخدام المواطن لحق السياسي عن طريق ممارسات عدة، أو عزوفه عن المشاركة و ترجمة مطالبه الإجتماعية عن طريق التصويت في الإنتخابات.
من جهة أخرى، يفيد هؤلاء، أن الخطاب الملكي الذي تم إذاعه يوم أمس الجمعة، كان بمناسبة إفتتاح الدورة التشريعية الخامسة للبرلمان، وبالتالي فهو خطاب خاص، لا يمكن أن تتخلله أية تدابير أو تغييرات أو قرارات صادرة عن الملك، إعتبارا لخصوصية مقر البرلمان، الذي يصدر فقط ما ينتج عن البرلمان، غير مستبعدين لإحتمالية إصدار الملك لقرارات و تعليمات أو تدابير تخص الأحداث الأخيرة، وذلك عن طريق الديوان الملكي لا عبر البرلمان، في إحترام منطقي لخصوصية و صلاحية كل مؤسسة على حدة.
أخيراً وتبعاً لكلّ ذلك، لم يتبقى لنا سوى أن نثق في توجهات ملك البلاد و سياساته التنموية و فطنته الحادة، إذ يحضرنا الوعي تارة و يغيب عنا أحيانا كثيرة، غير غافلين عن دورنا المحوري في تحديدنا مستقبلنا، حيث أنه و إذا أردنا أن نضع يدنا في يد ملكنا، و أن نسير على نفس خطاه لكي نحقق المستوى المعيشي الكريم الذي لطالما كان هدفه الأول، حتى قبل اعتلائه لعرش أسلافه الميامين، وجب أن نمارس حقنا السياسي بإقبال كبير على الإنتخابات المقبلة، للتعبير المباشر و النزيه عن إختياراتنا السياسية و لممثلينا و للبرامج التنموية التي ستنعكس حقيقة على واقع مجتمعنا، و أن ينخرط هؤلاء الشباب الواعين و الطموحين في المشهد السياسي عبر التحزب، كوسيلة مباشرة يكفل من خلالها الدستور حقنا في التعبير عن توجهاتنا و مطالبنا، بطريقة سياسية محترمة، منظمة، و شرعية، لا يمكن أن تقابَل بالرفض، عوض ما شهدته شوارع مدننا من أعمال عنف وتخريب يندى لها الجبين.
التعليقات مغلقة.