الانتفاضة
إنطلاقا من حس المسؤولية الوطنية والالتزام الثابت بقيم المواطنة الصادقة، فإن النسيج الجمعوي بمدينة مراكش وهو يتابع بوعي ومسؤولية ما يجري في الساحة الوطنية من حراك شبابي تقوده فئة “جيل زيد”، يعبر عن قناعته الراسخة بأن الإصلاح الحقيقي لا ينفصل عن شرط الأمن والاستقرار، وأن أي انتقال ديمقراطي وتنموي ناجح يستوجب تحصين المكتسبات التي راكمها الوطن عبر عقود وتعزيزها بإصلاحات متجددة تستجيب لتطلعات الأجيال الصاعدة.
لقد قطع المغرب خلال العقود الأخيرة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أشواطا مهمة نعتز بها كمغاربة في مسار التنمية والبناء المؤسساتي، حيث مكنت من ترسيخ دعائم البنية التحتية، وتوسيع قاعدة الحقوق وتعزيز صورة البلاد في محيطها الإقليمي والدولي، غير أن هذا التقدم على أهميته لا يحجب الحاجة الملحة اليوم إلى مراجعة عميقة لآليات الوساطة السياسية والاجتماعية، وإعادة هيكلة منظومة الأحزاب بما يجعلها قادرة على التعبير الصادق عن نبض الشارع وخاصة عن انتظارات الشباب الذين يشكلون القوة الحية للوطن ورهانه الاستراتيجي للمستقبل، وفي هذا الإطار، يصبح ربط المسؤولية بالمحاسبة وتخليق الحياة السياسية ومكافحة الفساد شرطا لا محيد عنه لإعادة الثقة في العمل الحزبي، وضمان مصداقيته أمام الرأي العام حتى تتحول الأحزاب إلى فضاءات حقيقية للتأطير والمشاركة، لا مجرد دكاكين انتخابية موسمية.
وفي هذا السياق، فإن هذه الاحتجاجات مهما بدت مفاجئة للبعض، إنما تعكس في جوهرها تعطشا صادقا للتنمية الاجتماعية والرغبة في المساهمة في صياغة السياسات العمومية، وتبني نمط جديد من العلاقة بين الحكومة والمجتمع يقوم على الشفافية، الثقة والمشاركة الفعالة، لذلك فإن التعاطي مع هذه اللحظة ينبغي أن يتسم بالحكمة والرشد بعيدا عن منطق المزايدات الضيقة، وبروح تستحضر أن ما يقع فرصة حيقيقية لإعادة بناء الثقة بين المجتمع ككل ومؤسساته.
وإذ يشيد المجتمع المدني بالمغرب عموما وبمدينة مراكش على وجه الخصوص بالدور الوطني الذي تضطلع به المؤسسات الأمنية في حماية الاستقرار العام، وصون سلامة المواطنين، وضمان ممارسة الحقوق والحريات في إطار القانون، فإنه يعتبر أن هذه المؤسسات تشكل ركيزة أساسية في مسار الإصلاح والتنمية، وأن حكمة تدخلها في إدارة الأزمة وحماية التظاهرات السلمية تعكس التزام الدولة بمستوى أمني كبير يقوم على حماية الحق في التعبير والاحتجاج، في توازن مع الحفاظ على النظام العام، كما يؤكد أن أي استهداف لعناصر الأمن أو محاولة الإساءة إليهم أمر مرفوض قطعا، لأنه لا يمس فقط بجهاز وطني قائم على التضحية والانضباط، ولكن يهدد السلم الاجتماعي ويضعف وحدة الجبهة الداخلية التي تبقى الضامن الحقيقي لعبور هذه المرحلة بسلام.
إن المجتمع المدني بمراكش يرى أن الرهان اليوم ليس في التقليل من أهمية هذا الحراك أو في تضخيمه، وإنما في تحويله إلى مناسبة وطنية لمساءلة الذات و تصحيح المسار واستكمال الأوراش المفتوحة في التنمية والعدالة المجالية والاجتماعية، ومن هنا تتجدد الدعوة إلى أن هذه الإحتجاجات يجب أن تتوقف نهائيا لأن معظمها يشارك فيها أطفال صغار دون السن القانوني كما أنها تخرج عن سياقها العام حيث أصبحت وسيلة للتخريب و السرقة وضرب المؤسسات وتهديد السلم الاجتماعي، وبالمقابل يجب أن تكون لغة الحوار والإنصات هي الإطار الجامع، لأن الأوطان تبنى بالإصلاح المتدرج في ظل الاستقرار، وبالمصالحة العميقة بين الأجيال، وبإعطاء الأولوية لمستقبل الشباب باعتباره مستقبل الوطن كله.
وعليه، فإن المجتمع المدني المراكشي يضع نفسه كما كان دائما، في قلب هذه اللحظة التاريخية فاعلا وشريكا وطنيا، مؤمنا بأن المغرب قادر على مواجهة تحدياته، متسلحا بالتلاحم الوثيق الدائم بين العرش والشعب وبوحدة الصف، ومتيقنا أن ما تحقق من منجزات يمكن أن يشكل قاعدة صلبة للانطلاق نحو مرحلة جديدة يكون فيها الشباب شريكا حقيقيا في بناء الوطن الذي يتسع للجميع.
عن فعاليات المجتمع المدني بمدينة مراكش
مراكش في: 06 أكتوبر 2025 الموافق ل 14 ربيع الثاني 1447
التعليقات مغلقة.