الانتفاضة
رغم الجمالية النظرية التي تحملها الانتخابات في المخيال السياسي الحديث، باعتبارها تتويجًا لفكرة الإرادة الشعبية وتجسيدًا للشرعية السياسية، إلا أنها في كثير من الأحيان تحولت إلى طقس شكلي يستهلك موارد ضخمة دون أن يحقق جوهر الديمقراطية: اختيار الأصلح والأكفأ لخدمة الصالح العام. هذا ما يجعلنا نقارب الانتخابات من خلال ما يعرف في الأدبيات النقدية بـ”متلازمة الحصان الميت”.
✦ متلازمة الحصان الميت: تشبيه ساخر لواقع مرّ
يُقال إن الجنود في بعض القبائل حين يموت حصانهم في المعركة، لا ينزلون عنه فورًا، بل يظلون يضربونه بالسياط، على أمل أن يتحرك! هذا التشبيه يصلح لفهم كيف تصرّ الأنظمة السياسية على تكرار العملية الانتخابية بنفس الأساليب، رغم وضوح فشلها في إفراز قيادات فعّالة أو قرارات عقلانية.
الانتخابات، في هذه الحالة، أداة لإضفاء شرعية شكلية، تبرّر بها الأنظمة استمرارها وتُقنع الداخل والخارج بوجود ديمقراطية حية، في حين أن النتائج غالبًا محسومة سلفًا، أو محصورة ضمن نخب غير كفؤة.
✦ من فلاسفة الأنوار إلى صناديق بلا روح
يُرجع الكثيرون أسس النظام الديمقراطي الحديث إلى فلاسفة الأنوار، مثل:
مونتسكيو (1689-1755): الذي نظّر لفصل السلطات كآلية عقلانية تمنع التسلط عبر توزيع الوظائف، لكن بشرط أن يتولاها من يمتلك الكفاءة والنزاهة.
جان جاك روسو: الذي فرّق بين “الارادة العامة” و”إرادة الأغلبية”، حيث الأولى تعني مصلحة الشعب الحقيقية، لا ما يصوّت عليه الشعب في لحظة انفعال.
لكن هذه الأفكار أُفرغت من مضمونها حين اختزلت الديمقراطية في مجرد عملية اقتراع. التمثيل العددي غلب على التعيين النوعي. الشعب ينتخب من يعرفونه، لا من يصلحون.
✦ الانتخابات في المغرب: التعدد بلا تنوع، المشاركة بلا تأثير
في السياق المغربي، يمكن استحضار عدة نماذج تعزز هذا الطرح:
1. الانتخابات التشريعية المتكررة منذ السبعينيات، والتي غالبًا ما أفرزت برلمانات ضعيفة التأثير، بسبب هيمنة السلطة التنفيذية الفعلية، وغياب رقابة مؤسساتية حقيقية.
2. حالة 2011: رغم أن الانتخابات أتت بحزب العدالة والتنمية إلى الصدارة، إلا أن التجربة أظهرت أن السلطة السياسية الفعلية ليست بيد الحكومة المنتخبة، بل في مراكز القرار غير المنتخبة. مما دفع كثيرين إلى التساؤل عن جدوى الانتخابات من الأصل.
3. نخب محلية تُنتخب لدورات متتالية رغم فشلها في تقديم تنمية حقيقية، مما يعكس ضعف المعايير وغياب آليات الفرز بناءً على الكفاءة.
4. غياب النقاش حول برامج حقيقية: تهيمن الوجوه والشعارات، لا الرؤية أو التفكير الاستراتيجي.
✦ لماذا لا يُعتمد معيار الكفاءة؟
رغم أن المنطق العقلي والسياسي يدفع نحو اختيار الأكفأ، إلا أن النظم الانتخابية المعاصرة غالبًا ما تعرقل هذا الاتجاه:
الخوف من النخب المستقلة: الكفاءات العلمية أو الفكرية غالبًا ما تكون غير منخرطة في الأحزاب، ولا ترضى بلعب دور الديكور السياسي.
الشعبوية والإعلام: الانتخابات تُبنى على من يُجيد دغدغة العواطف لا من يُحسن التخطيط.
المال الانتخابي والزبونية: يتم اختيار المرشحين حسب قدرتهم على تعبئة الأصوات، لا على صياغة السياسات.
✦ : نحو شرعية عقلانية
لقد حان الوقت لإعادة التفكير في مفهوم “الشرعية السياسية”. لا يجب أن تُمنح فقط عبر صناديق الاقتراع، بل يجب أن تُستمد من القدرة على الإنجاز والفعالية والنزاهة. فليس كل منتخب صالحًا، وليس كل غير منتخب غير ديمقراطي.
كما قال إدغار موران:
- “الديمقراطية ليست مجرد شكل، بل هي وظيفة عقلانية أخلاقية؛ لا تتحقق بالصوت وحده، بل بالحكمة.”
ربما حان الوقت لنسأل:
هل نواصل ركوب الحصان الميت، أم آن الأوان لبناء عربة جديدة تجرها العقول لا الأوهام؟
التعليقات مغلقة.