الترحال السياسي في المغرب.. من اختلاف القناعات إلى منطق المصالح الانتخابية

0

الانتفاضة/ ابراهيم أغراس

يعد الترحال السياسي، أو انتقال المنتخبين والقيادات من حزب إلى آخر، من الظواهر التي تثير جدلا متواصلا داخل الحياة السياسية، لما يتركه من آثار على صورة الأحزاب وثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة. ورغم وجود ضوابط قانونية تهدف إلى الحد من هذه الممارسة والحفاظ على استقرار المؤسسات، فإنها لا تزال حاضرة بأشكال متعددة، نتيجة تداخل عوامل سياسية وقانونية وشخصية.

ومن أبرز أسباب هذه الظاهرة ضعف التأطير الأيديولوجي داخل عدد من الأحزاب، بعدما تراجعت الفوارق الفكرية والبرامجية بينها في نظر جزء من الناخبين والفاعلين. فأصبح الانتقال من تنظيم سياسي إلى آخر لا ينظر إليه دائما باعتباره تحولا في القناعات، بل قد يقدم باعتباره اختيارا سياسيا عاديا تفرضه الظروف والمصالح.

كما يرتبط الترحال السياسي، في كثير من الحالات، بالبحث عن التزكية والموقع الانتخابي. فعندما يجد منتخب أو قيادي نفسه خارج حسابات القيادة الجديدة لحزبه، أو مهددا بفقدان موقعه في الاستحقاقات المقبلة، قد يبحث عن إطار سياسي آخر يضمن له فرصة الاستمرار. وهنا تتحول التزكية الحزبية من آلية لترجمة الكفاءة والالتزام السياسي إلى ورقة تفاوضية تحكمها أحيانا اعتبارات انتخابية محضة.

وتساهم كذلك التحالفات والهندسة الانتخابية في تكريس هذه الظاهرة، خصوصا داخل المجالس المنتخبة، حيث يمكن لانتقال عضو أو مجموعة من الأعضاء أن يغير موازين القوى ويعيد تشكيل الأغلبية المسيرة. وفي بعض الحالات، يصبح الانتقال جزءا من حسابات بناء التحالفات أكثر منه تعبيرا عن تحول حقيقي في المواقف السياسية.

أما من الناحية القانونية، فتظل بعض الإشكالات مرتبطة بصعوبة إثبات الاستقالة أو تحديد طبيعة العلاقة بين المنتخب والحزب، إلى جانب بطء المساطر القضائية في بعض الحالات. كما يمكن لبعض الاستثناءات القانونية، المرتبطة بحل الأحزاب أو اندماجها أو طرد الأعضاء، أن تفتح مساحات تسمح باستمرار المسار السياسي للمنتخب.

ولا يمكن إغفال العامل الشخصي والاجتماعي، إذ يمتلك بعض المنتخبين رصيدا محليا يفوق في تأثيره اسم الحزب نفسه. كما تلعب شبكات العلاقات والمصالح دورا في توجيه الاختيارات السياسية، خاصة عندما تتقاطع مع منطق الزبونية والبحث عن النفوذ.

وفي النهاية، فإن مواجهة الترحال السياسي لا تتطلب التشدد القانوني وحده، بل تحتاج أيضا إلى إعادة بناء الثقة داخل الأحزاب، وتعزيز التأطير السياسي، وترسيخ ثقافة تقوم على البرامج والمبادئ بدل الأشخاص والمصالح. فاستقرار الحياة السياسية يبدأ من أحزاب قوية ومؤسسات تحترم إرادة الناخب وتمنع تحول المقعد الانتخابي إلى وسيلة للمساومة السياسية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.