الإنتفاضة
بقلم : ” محمد السعيد مازغ “ تحمّل المسؤولية في تدبير الشأن العام، سواء تعلق الأمر بجماعة محلية أو إدارة عمومية أو هيئة لمراقبة المال العام، ليس امتيازًا شخصيًا، ولا منصة لتصريف الشعارات أو تصفية الحسابات. إنها أمانة ثقيلة، تتطلب وعيًا حيًا، ونزاهة لا تضعف، ويقظة دائمة. لأنها تتصل مباشرة بمصالح الناس، وكرامتهم، وحقوقهم الأساسية.. لكن ما يجري على أرض الواقع في عدد من المواقع يبعث على القلق. بعض المسؤولين، بل حتى من كنا نعدهم مصلحين أو متطوعين، صاروا يتقنون فن توزيع الوعود كما تُوزَّع أدوار المسرحيات الرديئة. يجيدون الظهور أمام الكاميرات، ويُحسنون حبك الشعارات، لكنهم يغيبون حين تُقرع طبول الفعل، وتُفتح ملفات الحقيقة. الأسوأ من ذلك، أن التحايل على القانون تحوّل إلى مهارة، والانتهازية صارت وصفة للوصول إلى المناصب وتثبيت النفوذ. تُباع التزكيات في زمن الانتخابات، ويُهرَّب المرشحون لتشكيل أغلبيات مصطنعة، وتُوزع المناصب وفق المحاباة. تُفَوَّت أملاك الدولة بأثمان بخسة، بل أحيانًا تُمنح بلا مقابل، وتُباع شهادات الماستر والدكتوراه كما تُباع السلع في سوق النخاسة. أرصدة ضخمة تتضخم في الخفاء، عقارات فخمة تفضح حجم الثراء المفاجئ، سيارات فارهة، وازدواجية في الجنسية تفتح أبواب الهروب حين يقترب الحساب. هذا الانحراف لا يشوه فقط صورة المسؤول، أو التاجر باسم المبادئ، بل يُضعف الثقة في المؤسسات، ويدفع المواطن إلى القطيعة مع السياسة وصناديق الاقتراع. حين يشعر الناس أن أصواتهم لا تعني شيئًا سوى العبور إلى الكراسي، وأن من يرفع شعار محاربة الفساد هو أول الغارقين فيه، يفقدون الأمل في كل وعود الإصلاح، مهما كانت براقة. لكن، من الإنصاف ألا نعمم. فليس كل من تصدّر المشهد فاسدًا، وقد يضعف البعض أمام إغراءات المنصب أو يسقط في فخ الامتيازات، دون نية مبيتة للإفساد. غير أن الأخطر، هو أن تُستعمل أخطاء فردية كذريعة لتكميم الأفواه، أو تعطيل أدوار باقي الفاعلين. فذلك انحراف مضاد، يُخفي الفساد وراء ستار المحاسبة، ويزرع الشك بدل أن يكرّس الثقة، وإياك أعني يا وزير العدل عبد اللطيف وهبي الذي أعطى لنفسه الحق في منع جمعيات المجتمع تلمدني من مراقبة ومساءلة من هم في مناصب المسؤولية.. في دولة تحترم نفسها، لا تُؤجل المساءلة إلى حين “وقوع الفأس في الرأس”. تُفعَّل آليات الرقابة والمحاسبة في وقتها، ومن خان الأمانة فليتحمل تبعات فعله، دون أن يُحمَّل الجسم المؤسسي كله وزر خطيئته. المسؤولية ليست امتيازًا، وليست تذكرة عبور إلى الثروة والنفوذ، بل امتحان يومي للضمير، ومساءلة مستمرة بين القانون، والأخلاق، والمصلحة العامة. ومن فشل في هذا الامتحان، فليتذكر أن الشعوب لا تنسى، وأن ساعة الحقيقة، مهما تأخرت، آتية لا محالة. وفي نهاية المطاف، لا يُقاس النجاح بعدد الصور، ولا ببريق التصريحات، بل بما تحقق فعليًا في حياة الناس، وبالأثر النزيه الذي يبقى بعد رحيل الكرسي، طوعًا أو كرهًا.
التعليقات مغلقة.