الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة
في الأنظمة الديمقراطية الحديثة، يظل الدفاع عن القيادات السياسية حقا مشروعا وممارسة طبيعية داخل الأحزاب والتنظيمات السياسية. فالحياة الحزبية تقوم أساسا على التنافس بين المشاريع والأفكار، كما تقوم على الترافع عن اختيارات القيادات والدفاع عن حصيلتها أمام الرأي العام. غير أن هذا الحق المشروع يتحول إلى موضوع للنقاش والتساؤل عندما يتجاوز حدود الإقناع السياسي إلى حالة من التمجيد غير المشروط، أو عندما يرتبط بسياقات تثير شكوكا حول وجود مصالح شخصية أو امتيازات وظيفية قد تكون وراء هذا الحماس الاستثنائي في الدفاع.
وفي السياق المغربي، تتجدد بين الفينة والأخرى نقاشات مرتبطة بالعلاقة بين النفوذ السياسي والاستفادة من المناصب والفرص المهنية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأشخاص يجمعون بين الانتماء الحزبي النشط والاستفادة من مواقع وظيفية أو إدارية تزامنت مع صعود قيادات بعينها إلى مراكز القرار. وفي مثل هذه الحالات، يصبح الرأي العام من حقه أن يطرح الأسئلة التي تضمن الشفافية وتحمي الثقة في المؤسسات، بعيداً عن أي منطق للتشهير أو الاستهداف الشخصي.
وقد أثار مقال مطول خصصه أحد مسؤولي حزب الأصالة والمعاصرة للدفاع عن فاطمة الزهراء المنصوري نقاشا واسعا بين المتابعين، ليس بسبب حق صاحبه في التعبير عن موقفه السياسي، وإنما بسبب طبيعة الخطاب المعتمد فيه، والذي اتجه بشكل واضح إلى تصوير الانتقادات الموجهة للمنصوري باعتبارها مجرد تعبير عن الحسد أو الفشل أو العداء السياسي، دون تقديم أجوبة موضوعية عن الأسئلة والقضايا التي يثيرها المنتقدون.
هذا النوع من الخطاب يعكس إشكالية أعمق من مجرد الدفاع عن شخصية سياسية. فبدل الانخراط في نقاش عمومي قائم على الوقائع والأرقام والمعطيات، يتم اللجوء إلى تصنيف المخالفين في الرأي ضمن خانة الخصوم الحاقدين أو أصحاب الأجندات الخفية. وهي مقاربة لا تسهم في إثراء النقاش الديمقراطي بقدر ما تضعف جودته وتحوله إلى مواجهة بين الولاءات الشخصية بدل أن يكون تنافساً بين الأفكار والبرامج.
الأكثر أهمية في هذا النقاش هو السياق الذي يصدر عنه مثل هذا الدفاع المستميت. فحين يكون المدافع قد استفاد من موقع وظيفي أو مهني خلال الفترة نفسها التي شهدت صعود القيادة السياسية التي يدافع عنها، فإن التساؤلات تصبح أكثر إلحاحا. ليس لأن الاستفادة في حد ذاتها دليل على وجود علاقة غير مشروعة، ولكن لأن قواعد الشفافية تقتضي إزالة كل ما يمكن أن يثير الشكوك أو يفتح الباب أمام التأويلات.
ففي الدول التي قطعت أشواطا في ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، لا يُنظر إلى تضارب المصالح فقط باعتباره حالة مثبتة قانونيا، بل يتم التعامل أيضا مع المظاهر التي قد توحي بوجود هذا التضارب. لذلك تحرص المؤسسات العمومية والمسؤولون على تقديم ما يكفي من التوضيحات لإبعاد أي التباس قد يؤثر على مصداقية العمل العام أو على ثقة المواطنين.
وفي الحالة موضوع النقاش، فإن من حق المتابعين أن يتساءلوا حول مدى التزام المسؤول الحزبي المعني بمهامه الإدارية داخل المؤسسة التي يعمل بها، خاصة في ظل حضوره المكثف في الأنشطة السياسية والحزبية والإعلامية خارج المجال الترابي الذي توجد به المؤسسة. فالموظف العمومي أو المستخدم في أي مؤسسة ملزم قانونا وأخلاقيا بأداء المهام المنوطة به وفق الضوابط المنظمة للعمل، كما أن المساواة بين الموظفين تقتضي عدم وجود امتيازات استثنائية تمنح للبعض دون غيرهم بسبب قربهم من دوائر النفوذ السياسي.
ولا يتعلق الأمر هنا بإصدار أحكام مسبقة أو توجيه اتهامات مجانية، وإنما بطرح أسئلة مشروعة تندرج ضمن الرقابة المجتمعية الطبيعية على تدبير الشأن العام. فكلما كان المسؤول أو الفاعل العمومي أكثر قربا من مراكز القرار، ازدادت الحاجة إلى الوضوح والشفافية، لأن الثقة في المؤسسات لا تبنى فقط على سلامة الإجراءات، بل أيضا على قدرة المسؤولين على تبديد الشكوك وتقديم التوضيحات اللازمة للرأي العام.
من جهة أخرى، تكشف هذه الحالات عن ظاهرة أوسع داخل بعض الأحزاب السياسية، حيث يتحول الولاء للقيادة أحيانا إلى معيار غير معلن للترقي والتموقع، بدل أن تكون الكفاءة والإنجاز هما الأساس. وعندما يترسخ هذا الانطباع داخل المجتمع، تتضرر صورة العمل السياسي برمته، لأن المواطنين يبدأون في الاعتقاد بأن فرص التقدم مرتبطة بالقرب من مراكز النفوذ أكثر من ارتباطها بالاستحقاق والكفاءة.
إن الأحزاب السياسية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتقديم نموذج مختلف في تدبير علاقتها بأعضائها ومنتخبيها ومسؤوليها. فالممارسة السياسية الحديثة لا تقوم على صناعة الزعامات أو إنتاج خطابات التقديس، بل على بناء مؤسسات حزبية قوية قادرة على احتضان الاختلاف وتشجيع النقد الداخلي واحترام التعدد في وجهات النظر. أما حين يصبح الدفاع عن القيادات أقرب إلى عملية تبرير دائمة لكل القرارات والمواقف، فإن الحزب يفقد تدريجيا قدرته على التجديد الذاتي وعلى تصحيح أخطائه.
كما أن المسؤول السياسي الناجح لا يحتاج إلى من يدافع عنه بالانفعال أو يهاجم منتقديه بالنعوت والأوصاف القدحية، بقدر ما يحتاج إلى حصيلة واضحة وإنجازات ملموسة يمكن أن تتحدث عنه أمام المواطنين. فالسياسة في نهاية المطاف هي مجال للمحاسبة العمومية، والفاعلون السياسيون مطالبون بتقديم الأجوبة عن الأسئلة المطروحة عليهم، لا بالاكتفاء بالتشكيك في نوايا من يطرحون تلك الأسئلة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش حول أداء شخصية سياسية أو حصيلتها يجب أن يبقى نقاشا مفتوحا ومشروعا في إطار احترام القانون وأخلاقيات الحوار الديمقراطي. أما تحويل كل انتقاد إلى مؤامرة، وكل رأي مخالف إلى موقف عدائي، فإنه لا يخدم إلا منطق الاستقطاب ويضعف ثقة المواطنين في الفاعلين السياسيين والمؤسسات الحزبية.
وفي النهاية، يظل السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو ما إذا كان الخطاب الحماسي الذي يقدمه بعض المدافعين عن القيادات السياسية نابعا حصرا من قناعة فكرية وسياسية راسخة، أم أنه يتأثر بدرجات متفاوتة بعوامل مرتبطة بالموقع والمصلحة والاستفادة. وهو سؤال لا يخص حالة بعينها، بل يهم مختلف الفاعلين السياسيين في كل الأحزاب والتيارات. والإجابة الحقيقية عنه لا تقدم عبر المقالات الانفعالية أو حملات التمجيد، وإنما عبر ترسيخ قيم الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة واحترام قواعد المرفق العمومي، بما يضمن أن يبقى العمل السياسي خدمة للصالح العام لا وسيلة للبحث عن الامتيازات أو تكريس الولاءات الشخصية.