امتياز أم ابتزاز سياسي؟..لماذا تكافئ إسبانيا الصحراويين بالجنسية وتتجاهل مقاومي سيدي إفني؟

0

الانتفاضة / سيداتي بيدا

ليست كل المفارقات في التاريخ قابلة للفهم، لكن بعضها يفرض نفسه كسؤال سياسي وأخلاقي لا يمكن القفز عليه. فمن غير المنطقي أن تواصل إسبانيا فتح باب الجنسية أمام فئات من الصحراويين بدعوى الروابط التاريخية، بينما تصد الباب نفسه في وجه أبناء سيدي إفني، وفي مقدمتهم قبائل آيت باعمران، الذين واجهوا الاستعمار الإسباني بالسلاح وقدموا التضحيات حتى استعاد المغرب الإقليم إلى سيادته.

إذا كانت مدريد تستند إلى الإرث الاستعماري لتبرير منح الجنسية، فلماذا يصبح هذا الإرث صالحاً في الصحراء وغير صالح في سيدي إفني؟ ولماذا يُكافأ من ارتبطوا بالإدارة الإسبانية، بينما يُهمَّش من حملوا السلاح ضدها دفاعاً عن وطنهم؟

إن هذا التناقض لا يبدو مجرد اختلاف في التأويل القانوني، بل يعكس سياسة انتقائية تثير كثيراً من علامات الاستفهام. فالمعيار، على ما يبدو، ليس التاريخ المشترك، وإنما حجم المكاسب السياسية التي يمكن أن تحققها إسبانيا من وراء هذا الملف.

لقد رفض أبناء آيت باعمران، في ذروة الوجود الإسباني، كل المشاريع التي كانت ترمي إلى إدامة النفوذ الاستعماري، بما فيها صيغ الحكم الذاتي التي طُرحت آنذاك. واختاروا طريق المقاومة، ودفعوا ثمن ذلك من دمائهم واستقرارهم، حتى عاد الإقليم إلى حضن الوطن. واليوم، يجد أحفاد أولئك المقاومين أنفسهم خارج أي امتياز تمنحه مدريد باسم “الروابط التاريخية”، وكأن مقاومة الاستعمار أصبحت سبباً للإقصاء لا وساماً للاستحقاق.

وتزداد الشكوك عندما يُنظر إلى هذا الملف في سياق قضية الصحراء المغربية، حيث يبدو أن إسبانيا لا تزال تحتفظ ببعض الأوراق التي تمكنها من الإبقاء على حضور سياسي ورمزي في ملف تعتبره ذا أهمية استراتيجية. وهنا تتحول الجنسية من حق يُبنى على أسس قانونية واضحة إلى أداة تخدم حسابات سياسية متغيرة.

إن العدالة التاريخية لا تُجزأ، ولا يمكن أن تُفصل وفق خرائط المصالح أو أولويات السياسة الخارجية. فإذا كان الماضي الاستعماري أساساً لمنح الجنسية، فمن حق أبناء سيدي إفني أن يعرفوا لماذا استُبعدوا من هذا المعيار. أما إذا كانت الاعتبارات السياسية هي الحاكم الحقيقي، فمن حق الرأي العام أن يسمع ذلك بوضوح، بعيداً عن الخطابات الدبلوماسية المنمقة.لقد آن الأوان لأن تراجع مدريد هذه المقاربة التي تفتح الباب أمام اتهامات بازدواجية المعايير.

فالتاريخ لا يُدار بمنطق الانتقائية، والذاكرة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للضغط أو وسيلة للاحتفاظ بنفوذ مؤجل. فالدول التي تدّعي الدفاع عن العدالة مطالبة أولاً بأن تكون عادلة مع تاريخها، قبل أن تمنح الاخرين دروسا في الحقوق والانصاف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.