ثقة بلا ضجيج و فراغ بضجيج

الانتفاضة 

ابتليت الأمة بالناعقين والزاعقين والباحثين عن المجد المفقود في أعين الناس وهم لو نظروا إلى أنفسهم لوجدوا أنه لا هم ولا مجدهم المفقود يفيدهم في شيء.

أناس فقيرون للذوق والأخلاق وبارعون في التمثيل وقادرون على جعل أنفسهم قبلة للسخرية للمتنمرين المتحلقين من كل جانب.

أناس يفهمون الثقة بالنفس شيئا يصيبهم هم وحدهم ولا يصيب غيرهم حتى إذا سقطوا في أول اختبار رأيت منهم ما كانوا يخبؤونه في أوقات خلوتهم.

ففي لحظة من حياتنا، نقف أمام أنفسنا ونتساءل: ما الذي يجعلنا نبحث عن اعتراف الآخرين بما نحن عليه؟ لماذا نضيع وقتنا في محاولة إثبات شيءٍ للناس، بينما يكمن المعنى الحقيقي للحياة في داخلك، في إحساسك، في سلامك؟
الشخص الذي يشعر بالسعادة الحقيقية لا يملك وقتًا ليقنع الآخرين بذلك لا يحتاج أن يُظهر ابتسامته المزيفة أو يفتعل لحظات فرح أمام عدسة الكاميرا سعادته ليست لوحة عرض؛ إنها دفء ينبعث من روحه، يغمر حياته دون أن يتوقف لحظة ليراقب إن كان الآخرون ينظرون لأن الفرح الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور.

أما الشاطر بحق؟ فهو غارق في تطوير نفسه، يبني، يتعلم، يواجه التحديات بعزيمة.

لا يُضيع وقته في مقارنات بائسة مع الآخرين، لأن نجاحه لا يُقاس بعدد الأعين التي تتابعه أو الكلمات التي تُلقى عليه نجاحه انعكاس لما يحققه، لما يصنعه بيديه وبإرادته الشاطر بحق مشغول جدًا بالحياة ليبحث عن تصفيق الآخرين.
ومن يعيش علاقة جميلة حقيقية؟ لا يحتاج إلى صخب العالم ليعترف بذلك.

الحب، الصدق، والوفاء هي أشياء تُحس، تُعاش، لا تُعرض هذا الشخص يعيش لحظاته مع من يحب بسلام، بدون الحاجة إلى إعلان أو إثبات. لأنه يدرك أن جمال العلاقة ليس في نظر الآخرين، بل في عمقها، في حقيقتها.
أما من يشعر بالأنس بين ناسه؟ فهو مشغول بتلك اللحظات التي تمتلئ بالدفء، بالحكايات بالمشاركة لا يفكر لحظة في أن يُخبر الناس كم هو سعيد، لأن وجوده مع من يحب يغنيه عن كل شيء الوحدة لا تعرف طريقها إليه، ليس لأنه يُقنع الناس بذلك، بل لأنه وجد سعادته في حضن من يحب.
لكن الفارغ، الذي يمضي وقته في محاولة إثبات ما ليس فيه، هو من يصرخ بأعلى صوته عن نجاحاته، عن سعادته، عن علاقاته. ليس لأنه يملك هذه الأشياء، بل لأنه يحاول إقناع نفسه قبل الآخرين فراغه يملؤه بالصخب، بآراء الآخرين، بمشاهد تمثيلية يصنعها فقط ليخفي صمته الداخلي.
الحقيقة، يا صديقي، هي أن الإنسان الممتلئ حقًا لا يبحث عن إثبات هو يعيش، يشعر، يستمتع، دون أن يضيع لحظة واحدة في محاولة إثبات ذلك للآخرين لأنه ببساطة، ممتلئ بنفسه، سعيد بحياته، ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك.

بقي أن نشير إلى أن ليس كل ما يلمع ذهبا، وليس كل ما تراه يبريق فهو لا يبرق أصلا، وليس كل ما يبدو للعيان فهو عين الحقيقة في الجوهر، وإنما الجوهر الحقيقي هو العلم النافع والصبر النافع والأنفة النافعة والتواضع النافع والدين النافع يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا جاه ولا سلطة ولا عمارات ولا فيلات ولا سيارات ولا قصور ولا أموال في البنك ولا إجازة ولا ماستر ولا دكتوراه إلا من أتى الله بقلب سليم.

التعليقات مغلقة.