الانتفاضة
1. تمهيد لا بد منه: حين يتحول الخطاب الوزاري إلى أداة للهجوم على الحقوق والحريات.
في خطوة غير محسوبة ومشبعة بالانفعال، أقدم وزير العدل السيد عبد اللطيف وهبي على تصريح غير مسبوق، داخل قبة البرلمان، يُقحم فيه اسم جمعية مدنية تُعنى بمحاربة الرشوة، في سياق فضيحة الاتجار في الماستر، متعمداً الربط بين متهم ما زال قيد التحقيق، وبين دور المؤسسة الجمعوية التي كان ينتمي إليها، دون انتظار كلمة القضاء. هذا السلوك السياسي المستهجن يتعارض مع مبدأ البراءة الأصلية، ويمثل انزلاقاً خطيراً نحو توريط المجتمع المدني في ملفات فردية، دون سند قانوني أو منطقي. الوزير، ومن موقعه كمسؤول عن قطاع حساس، كان عليه أن يُوازن بين مسؤوليته المؤسساتية واحترامه لمبدأ استقلالية القضاء، لا أن يتحول إلى خصم وجهة اتهام ضد الجمعيات. هذه التصريحات لا تُقرأ بمعزل عن السياق السياسي الراهن، حيث تسعى بعض الأطراف إلى خنق الأصوات الحرة وتشويه المؤسسات المستقلة.
2. عن قصد خبيث: التشهير بالمجتمع المدني كتكتيك لإلهاء الرأي العام
ما تلفظ به الوزير لا يمكن قراءته إلا كتصفية حسابات سياسية موجهة بدقة ضد كل الأصوات التي ما تزال تقاوم الفساد وتسائل السياسات العمومية وتُدافع عن الحقوق والحريات. الوزير استغل منصة تشريعية لصناعة تشهير سياسي ضد جمعيات المجتمع المدني، محاولاً الإيهام بوجود تواطؤ جمعوي مع ملفات فساد، دون أن يضع على الطاولة أي دليل قانوني أو اجتهاد قضائي. هذا الأسلوب ليس بجديد في أنظمة تُضايق العمل الجمعوي، لكنه مستغرب في مغرب اليوم، الذي يفترض أنه قطع أشواطاً في الاعتراف الدستوري بدور الجمعيات. حين يُربك الوزير حدود صلاحياته ويستعمل منبر البرلمان لتصفية خصوم جمعويين، فالأمر لا يعود نقاشاً بل يتحول إلى تضليل سياسي، يُخفي فشل الوزارة في معالجة أصل ملفات الفساد، ويُحاول حرف النقاش عن جوهر الأزمة.
3. الجمعيات ليست شماعة: نحن مراقبون ولسنا فاسدين
محاولة السيد الوزير تصوير الجمعيات كجهات تمتهن الابتزاز أو تتستر على الفاسدين هي قمة في المغالطة وسوء النية. الجمعيات العاملة في محاربة الرشوة لا تتشكل من ملائكة، لكنها تخضع للقانون وتشتغل في بيئة صعبة، ورغم التضييق وقلة الموارد، ظلت تقاوم من أجل مصلحة هذا الوطن. الوزير يعلم قبل غيره أن عدد كبير من قضايا الفساد الكبرى ما كانت لترى النور لولا تدخل جمعيات وفاعلين مدنيين نبهوا، ونشروا، وراسلوا الجهات المعنية. التعميم الظالم ضد الجمعيات هو هروب من مسؤولية سياسية جسيمة، والخلط بين الفاعل الفردي والجسم الجمعوي خطر على مستقبل الدستور نفسه. نحن لا نبحث عن حصانة، ولكن نرفض أن نُحول إلى أكباش فداء لمعارك خفية داخل الدولة.
4. الدفاع عن استقلالية الجمعيات مسؤولية وطنية لا ترف سياسي
إن كل ما يروج له الوزير من خلال خرجاته الإعلامية والبرلمانية الأخيرة، يمثل استهدافاً مباشراً للحق الدستوري في التنظيم، والعمل الجمعوي، والمشاركة في الحياة العامة. الجمعيات في المغرب لم تأت من فراغ، بل من نضالات مريرة، ودستور 2011 كرس دورها في بلورة وتقييم السياسات العمومية. نحن لا نتسول دوراً رمزياً كما يحاول الوزير اختزاله، بل نحن شركاء في البناء الديمقراطي، ولسنا موظفين في وزارته. وإذا كان للوزير مشكل شخصي أو حساسية تجاه بعض الفاعلين، فليعالجه داخل قنوات القانون وليس عبر هجوم عشوائي على المؤسسات الجمعوية. استقلالية العمل المدني خط أحمر، وتهجمه على الجمعيات لن يُسكت أصواتنا بل سيدفعنا نحو مزيد من الصمود والمرافعة.
5. هل نعيش مرحلة “أخلقة الفساد” بدل تخليق الحياة العامة؟
عوض أن يُقدم الوزير مبادرات عملية لمحاربة الفساد داخل القضاء، أو ينخرط في مراجعة آليات المحاسبة، اختار أسهل الطرق: التهجم على الجمعيات، واتهامها ضمنياً بعرقلة العدالة. لكن السؤال الجوهري: هل أصبح الفساد مقدساً إلى درجة أن من يشتغل على فضحه يتحول إلى هدف رسمي للسلطة؟ وهل نعيش مرحلة جديدة حيث يتم “أخلقة الفساد” ويُعتبر من يحاربه عدواً للدولة؟ الوزير بتصريحاته يبعث برسائل سلبية إلى الرأي العام، مفادها أن لا مكان في هذا البلد لمن ينتقد، وأن الجمعيات يجب أن تلتزم الصمت أو تواجه الحصار. هذا المنطق لا يُبشر بالخير، ونرفضه جملة وتفصيلاً.
6. توصيات عاجلة: حماية الجمعيات هي حماية للديمقراطية
بناءً على ما سبق، فإننا في “المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد” نُسجل ما يلي:
نُدين بشدة تصريحات وزير العدل الأخيرة، ونعتبرها إساءة لمكونات المجتمع المدني برمته.
نُطالب البرلمان بفتح نقاش وطني حول دور الجمعيات ومكانتها، وتحصينها من أي تشهير سياسي ممنهج.
نُناشد رئيس الحكومة بالتدخل العاجل لتوضيح الموقف الرسمي من تصريحات الوزير.
نُحذر من تداعيات تقليص صلاحيات الجمعيات في متابعة ملفات الفساد داخل النصوص التشريعية.
نُؤكد استمرارنا في كشف الاختلالات، ومراقبة المال العام، ومساندة ضحايا الفساد الإداري.
7. خاتمة: ستظل أصواتنا حرة رغم أنف القمع الناعم
نُعلنها صراحة: هذا البلد لن يعود إلى الوراء، والمجتمع المدني المغربي لن يسكت، ولن يُرهب، ولن يُشهر به دون رد. من يُعادي الجمعيات فهو يُعادي ضمير هذا الشعب. ومن يُقيد فاعليتها فهو يُراهن على وطن بلا رقيب. نحن هنا لنُذكّر الوزير أن السلطة زائلة، أما الكلمة الحرة فهي الباقية. وإذا كان لا يريد سماع صوت الجمعيات، فنقول له: صوتنا عالٍ، ومسموع، وسيظل كذلك ما دام في هذا الوطن أحرار.
إن ما صدر عن وزير العدل لا يمكن اعتباره مجرد زلة لسان أو رأي شخصي عابر، بل هو تعبير صريح عن توجه خطير يمس بجوهر الديمقراطية ويمعن في التشكيك بدور الجمعيات والمنظمات المدنية، بل ويهيئ الرأي العام لقبول خطاب التخوين والتشويه كوسيلة لإسكات الأصوات الحرة وإفراغ العمل الجمعوي من محتواه. فحين يتحول وزير مسؤول عن حماية العدالة والقانون إلى طرف في معركة ضد مكون أساسي من مكونات المجتمع المدني، فإننا نكون أمام وضع غير مسبوق يهدد السلم المؤسساتي ويضرب في العمق الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد تعتبر أن هذا الخطاب التحريضي ليس مجرد انفعال لحظي، بل هو استمرار لمسار سياسي يسعى لإعادة هيكلة الحقل المدني تحت مقص الرقابة والملاحقة والتشهير، وهو ما نرفضه جملة وتفصيلاً. كما نؤكد أن الجمعيات ليست عبئاً على الدولة، بل هي شريك أساسي في البناء الديمقراطي، وصمام أمان ضد الانحراف والاستبداد، وصوت من لا صوت له في مواجهة الاستغلال والظلم والفساد.
لذلك، فإننا نحذر من مغبة الاستمرار في هذا النهج العدائي، ونوجه نداءً صريحاً إلى كافة المؤسسات، وعلى رأسها المؤسسة الملكية، لإعادة الأمور إلى نصابها ووضع حد لهذا الانفلات الخطابي الذي يغذي الانقسام ويفتح الباب أمام التسلط السياسي. كما ندعو جميع الفاعلين المدنيين إلى توحيد الصفوف والانخراط في جبهة دفاعية موحدة لحماية العمل الجمعوي من كل أشكال الابتزاز والترهيب والتضييق.
وفي الأخير، نؤكد أن منطق الترهيب لن يُثنينا عن مواصلة رسالتنا، وأن القضايا العادلة لا تحتاج إلى ترخيص من أحد، وأن الجمعيات الحرة ستظل شوكة في حلق كل من يسعى لإعادة المغرب إلى زمن الصمت والخوف والانكماش.
التعليقات مغلقة.