العنف ضد الأطر التربوية في المغرب: بين الأزمة الاجتماعية والإخفاقات التربوية ما هي الأسباب و سبل الوقاية من الظاهرة في المدرسة و الشارع ؟

الانتفاضة // إلهام اوكادير // صحفية متدربة

في حادثة مأساوية هزّت الرأي العام المغربي، توفيت الثلاثينية هاجر، وهي أستاذة بمدينة أرفود بعد تعرضها للطعن من قبل أحد تلاميذها، في مشهد مفجع، فاجأ الجميع، وطرح تساؤلات عميقة حول أسباب العنف المتزايد في المدارس المغربية.

وبما أن التلميذ لم يكن تحت تأثير المخدرات كما أفاد بعض الشهود، فإن الحادثة تكون بذلك قد كشفت عن أحد أهمّ مظاهر الأزمة التي يعاني منها النظام التربوي في البلاد، من عنف سلوكي وانحلال أخلاقي، يؤثر سلبًا على البيئة التعليمية بأكملها.

إن هذه الحادثة لم تكن مجرد حالة فردية، بل هي مؤشر على ظاهرة واسعة النطاق تتطلب معالجة جذرية للأسباب العميقة التي تختبأ  وراءها.

فما السبب الذي يجعل التلميذ يتجرأ على الاعتداء على معلمته؟ وما هي العوامل الاجتماعية والنفسية التي تساهم في تزايد  هذه الظاهرة؟ وهل هناك من أمل للتغلّب على هذه الظاهرة المؤرقة على حدّ تعبير أحد المدراء التربويين؟

العنف: أكثر من مجرد سلوك فردي

إذا كانت العديد من الدراسات تشير إلى أن المخدرات تلعب دورًا مهمًا في التأثير على سلوك التلاميذ، فإن هذا لا يعد السبب الوحيد.

العنف في المدارس ليس مجرد سلوك فردي ناتج عن تلميذ يعاني من تأثير المخدرات، بل هو ظاهرة تمتد جذورها إلى  ما هو أعمق من ذلك؛ إنه نتاج مجموعة من الأسباب التي تتداخل مع بعضها البعض، منها العوامل النفسية، المشاكل الأسرية، وضغوط المجتمع .

لكن، ما يجب أن نفهمه، هو أن هذه الظاهرة ليست مجرد صرخة فردية، بل هي مؤشر على خلل عميق في البنية الاجتماعية والتربوية التي يعاني منها النظام التعليمي في المغرب. إن الحل لا يكمن فقط في إيقاف المخدرات أو تفعيل العقوبات ضد المعتدين، بل في إعادة التفكير في مفهوم التربية والتعليم في المجتمع ككل.

هل نُحسن بناء الأسرة؟                                                                                                                    

تربية الأطفال مسؤولية مشتركة تبدأ أولًا في حضن الأسرة، التي تُعد الفاعل الأساسي في غرس القيم والمبادئ لتكتمل مع هيئة التربية و التدريس.

إلا أن ما نشهده اليوم من تزايد في حوادث العنف، يُظهر لنا أن هناك تقاعسًا في هذا الجانب، وأن بعض الأسر لا   تدرك تمامًا حجم مسؤوليتها في تربية الأبناء بشكل متوازن .

فإذا نظرنا إلى مجتمعات أخرى، مثل اليابان، و التي تركز بشكل أساسي على التربية الأخلاقية منذ الصغر، سنلاحظ أن الأطفال  هناك ينشؤون في بيئة تحترم القيم الأخلاقية، ويقدرون دور المعلم بشكل كبير. بينما في المجتمعات التي تهمل هذه الجوانب، تتسع الفجوة بين الأجيال، ويصبح العنف سلوكًا شائعًا.

وكما هو ملاحظ خلال السنوات الأخيرة؛ عندما تم تجريد الأطر التربوية من أدواتها التأديبية و التربوية، في محاولة لمواكبة ما جادت به المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما نستحسنه فعلاً، إلا أن هذا التحول لم يأتِ بنتائجة إيجابية كما كان متوقعاً؛ بل كشف عن فجوة عميقة بين النظرية و التطبيق، خاصة في مجتمع لا تزال بنيته الأخلاقية والتربوية في حاجة للتأهيل و التوجيه .

كما أن هناك نقطة جوهرية، تظهر جلياًّ كمستوى أعمق للمشكلة، ألا و هي هوية الأباء بداية، كزوجين، هل هم واعيين لمسؤولية و معنى إنشاء و إنجاح أسرة متماسكة، باستطاعتها أن تنتج أطفالاً أسوياء السلوك و الأخلاق ، أم أنهم مجرّد مقلّدين لعرف الزواج كسنة حياة ؟

أمل لا زال ممكنًا

أخيرا، نخلص إلى أنّ أهم ما يمكن أن تقدمه الأسر المغربية لهذا الوطن الحبيب، هو أن تُحسِن تخليق و تربية أطفالها، بما يخدم مستقبلهم و مستقبل البلاد بشكل عام .

و رغم كل مظاهر العنف والانفلات الأخلاقي التي بدأت تنخر بنيان المدرسة المغربية، لا يجب أن نستسلم للتشاؤم. بل يجب أن  نُواجه ذلك بوعي نقدي ورغبة حقيقية في الإصلاح    .

فمتى أدركنا أن المدرسة لا تُصلح ما تُفسده الأسرة، وأن التربية الأخلاقية مسؤولية مشتركة تبدأ داخل البيت وتُصقل في المدرسة،.

فالأمل لا يزال قائمًا، والنماذج الإيجابية موجودة في مجتمعنا. أسر اختارت أن تربي أبناءها على الاحترام، والانضباط، وأثبتت أن الطريق الصعب ممكن، إذا توافرت الإرادة والوعي، واشتغلت المؤسسات بتكامل حقيقي على بناء إنسان سوي، يستحق أن يكون مواطن الغد.

التعليقات مغلقة.