سورة النمل.. رحلة في رحاب الهداية والمعرفة

الانتفاضة // علاء جلال

كلما قرأت سورة النمل شعرت أنني أمام سورة فريدة تحمل بين آياتها مزيجًا من الحكمة الإلهية، وعمق المعرفة، وبيان آيات الله في الكون، ورسالة عظيمة عن أهمية الهداية، والتمييز بين القلوب التي تستنير بنور الحق وتلك التي تغلق أبوابها أمامه
تبدأ السورة بإشارة واضحة إلى القرآن الكريم كمنبع للهداية والتنوير: {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ. هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} فالهداية ليست إلا لمن فتح قلبه لاستقبال الحق، ورضي أن يكون من أهل الإيمان. أما من أعرض، فقد خسر أكبر نعمة يمكن أن تمنح للإنسان
تستعرض السورة نماذج متعددة للهداية من أناس استجابوا للحق فارتقوا، إلى آخرين أغلقوا قلوبهم وأعينهم عنه
واحدة من أعظم القصص التي تقدمها سورة النمل هي قصة سليمان عليه السلام نرى في سليمان نموذجًا للقلب الذي امتلأ شكرًا ومعرفة بالله رغم ما منحه الله من ملك لا يُضاهى، كان دائم الذكر لفضل الله عليه
{هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}
هذه الكلمات تعكس قلبًا ممتلئًا بالتواضع والخشوع، يعلم أن كل ما يملكه إنما هو اختبار من الله.
قصة سليمان تبرز كذلك كيف أن الهداية تتجلى في أفعاله، سواء في عدله بين مملكته، أو في موقفه مع الهدهد الذي جاءه بخبر بلقيس وقومها: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ}.
هذا الحوار يوضح أن الهداية ليست فقط في القلب، بل أيضًا في التفكير العميق والعمل المدروس.
بلقيس، ملكة سبأ، تمثل نموذجًا آخر، لكنها كانت مختلفة عن قومها رغم أنهم كانوا يعيشون في ضلال عبادة الشمس، إلا أن قلبها كان مستعدًا للهداية عندما بلغها الحق عبر رسالة سليمان تفاعلت معها بذكاء وتأمل، واختارت الحق في النهاية: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
أما قومها، فهم نموذج لمن أغلقوا قلوبهم عن الهداية، فظلوا أسرى عاداتهم وعبادتهم الباطلة
تُبرز سورة النمل آيات الله في الكون كمصدر للهداية لكل من تأملها بعين التفكر قال الله تعالى: {أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارࣰا وَجَعَلَ خِلَـٰلَهَاۤ أَنۡهَـٰرࣰا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِیَ وَجَعَلَ بَیۡنَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ حَاجِزًاۗ أَإِلَـٰهࣱ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ}.
الآيات في الكون دليل حي على وجود الله وعظمته، لكنها لا تصل إلا إلى القلوب المستعدة للهداية أما القلوب الغافلة، فتراها ولا تدرك معناها، وتظل عمياء عن الحق.
تؤكد سورة النمل أن القلب هو مركز الهداية. إذا كان القلب مستعدًا للحق، فإنه يستقبل نوره ويتحول إلى مصدر للإيمان والعمل الصالح أما إذا كان قاسيًا أو معرضًا، فإنه لا ينفعه كل ما يراه أو يسمعه
تأمل قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلۡقُرۡءَانَ مِن لَّدُنۡ حَكِیمٍ عَلِیمٍ}
لتعلم أن الهداية تبدأ من اتصال القلب بكلام الله، حيث يجد فيه الموعظة والرحمة
الهداية في سورة النمل تبدأ وتنتهي بالقلب قلب سليمان الذي امتلأ بالشكر والمعرفة، وقلب بلقيس الذي استجاب للحق، وقلب قومها الذي كان في البداية غافلًا ثم انتبه
فلنجعل قلوبنا مستعدة للهداية، ولنفتحها لنور القرآن وآيات الله في الكون، حتى نسير على درب الصالحين الذين قال الله عنهم {وَهُدُوا إِلَىٰ ٱلطَّیِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طِ ٱلۡحَمِیدِ}.

التعليقات مغلقة.