الانتفاضة/ إدريس المغلشي
اثارت خطبة الجمعة الأخيرة نقاشا واسعا بين عموم الناس وهذا دليل كافي على ان امر الدين يعني الجميع والكل يؤمن بأن دور المسجد يجب أن يبقى محايدا يرفع من شأن الإنسان في اخلاقه وقيمه وأولوياته يحث على حفظ الكليات الخمس كما جاءت في كتاب الموافقات للشاطبي . لكن منذ ان سعت وزارة الاوقاف بسط يدها على مضمون الخطب برقابة شديدة تحت عنوان تسديد التبليغ في إطار وحدة الموضوع وأطلقت العنان للتحكم و من تم اغلقت باب الإجتهاد واوقفت قرينة التنوع والإبداع فيه بل ذهبت لحد الإعفاء كأن الوطن بجهات الأربع كله نسخ تتكرر بمشاكله وهمومه لربما من حيث عدالة توزيع الفقر رغم ان التباين واضح حسب اختلاف البيئة وظروف العيش واضح فالمثل يقول : من جعل الناس سوى ليس لحمقه دوى “واظن وزيرنا صاحب مؤلف جارات أبي موسى يعلم أن كلمة المسجد مسموعة ومؤثرة ومن ادوارها ان توعي الناس. بالموازاة مع التفقه في الدين لكن يبدو ان يد السياسة امتدت إلى المنبر وجعلت منه بوقا للحكومة لتفقده مهماته الجوهرية .
مما يعيب على الجو العام الذي تمت فيه الخطبة انهااغفلت القيام بصلاة الغائب على الموتي الغرقى في قضية سبتة مهما كان عددهم فالحدث بالواقع والكيف وليس بالعدد فلا نتنازع الارقام من حيث صحيحها من غيره بقدرما نحن امام صدمة تتجدد دون ان نجد لها الحل . نبدو عاجزين لانمتلك رد الفعل وبقينالأسبوع كامل دون جواب تتلاطمنا امواج الحيرة والعجز وكأن الضحايا لاينتمون لهذا الوطن .لم ننكس الاعلام ولم نعلن الحداد على المفقودين.إعلامنا متخلف غارق في صمت مريب وخارج التغطية في هرج ومرج وضجيج زاد من اوجاعنا. لقد اصبح ملاذنا صور المواقع واخبار على تلفزات اخرى لم نجد عنها بديلا .الصمت المطبق إشارة تزكي تصريحات الكثيرين الذين افصحوا عن اسباب مغادرتهم للبلد ومرارة البقاء فيه .متى نجعل من لحظة ألم يصيب الوطن تعبئة جماعية للإحساس بالانتماء لا الغربة التي تنفذ في كثير من اللحظات محاولة نسف ماتبقى من شعور وتؤجج نزعات الغضب.فحماية الوطن وعدم التشويش عليه وعلى أمنه ليس دورالمواطن لوحده بل هو من صميم دورالكل شعب وحكومة كذلك فلماذا اختصت الخطبة المواطن لوحده دون غيره؟؟لماذا ينوب المسجد عن سياسيين فشلة فقدوا مصداقيتهم في الشارع ؟؟ انزعاج الجميع من مضمون الخطبة نتج عنه ارباك للسكينة والشعور والأمن الديني .هل سيصمد الحديث الشريف (ومن لغا فلا جمعة له ..) امام حالة الارتباك التي عمت فضاءاتنا عوض أن نستثمر بذكاء وموضوعية كذلك الحادث ونجعل منه ارضية للتغيير والتصحيح وفرصة للتوعية في إطار استقرار وامن الوطن أم ان المسجد فقد دوره الريادي وصار بعيدا عن المقصد الذي يجعل غالبية المصليين يحجون إليه ومن اجله .يبدو أننا نعيش فترة انسحاب هذا الدور في صمت والتفريط فيه فضبط كلام الخطبة مقدور عليه ويمكن توجيهه بتعليمات وترسانة من القوانين ومراسيم وغيرها من آليات السيطرة التي لن تحقق هدفا اسمى يحقق الأمن الروحي الذي يعزز عنصر الاعتقاد والثقة . تلك إشكالية لايمكن الوقوف عليها مادامت مسألة مضمرة في كينونة البشر يصعب الوصول إليها .فجو النفور الذي ساد نقاشاتنا الاسبوع الماضي له خطورته التي تستدعي مدارسة عميقة تحتضن نقاشا مجتمعيا عوض تركه للفوضى ولمجالات وفضاءات اخرى لاشك انهاتساهم في توثره وإعادة وانتشاره .
المسجد ليس مخول له الدفاع عن مسؤلية سياسية بقدر ما يكون دوره التوازن في إطار معادلة قيمة شعارها الابرز ( ادع إلى سبيل ربك بالموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن ) ماعرفته الساحة الوطنية يقتضي معالجة صريحة وواضحة تعترف لكل طرف بدوره وتحقق الحكامة والنجاعة المطلوبة.
الناس يمتلكون درجة من الوعي لايمكن لاي جهاز مهما كان تأثيره ان يغطي على الحقيقة . فكيف نلجأ للمسجد ليلعب دورا ليس من اختصاصه .صحيح ان خطبة الجمعة تقرأ من طرف واحد ولاحق لأحد ان يناقشها فالنتيجة معروفة ان الصلاة بأكملها مرهونة بهذه الآداب ولاتصح إلا بها لكن الكل يناقشها بأدق التفاصيل في مجالات اخرى . لنخلص في النهايةأننا ضيعنا فرصة تسجيل سلوك حضاري بتأبين الموتى بصلاة الغائب والتي لاشك انها ستحقق انسجاما عاطفيا يزيد من لحمة الوطن ويضفي السكينة على الكل. لكن اثرنا من خلال المضمون ان يحدث نقاشا مستفزا لا يعبئ بالوقائع في مجملها ولم يخصها بحرف ولا كلمة ولعمري هذا إجراء غير منصف يساهم في صب الزيت على النار عوض ان يختار الحل السهل التهدئة .
ذ. إدريس المغلشي .