العلامة سيدي محمد فاضل..بصمة خالدة في تاريخ المجالس العلمية والتعليم العتيق

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

يعد العلامة الفقيه المربي سيدي محمد بن الحسن فاضل، رحمه الله، واحدا من أبرز أعلام العلم الشرعي والتعليم العتيق بجهة مراكش آسفي، ومن الشخصيات العلمية التي تركت بصمة راسخة في مسيرة التأطير الديني والتربوي بإقليم الحوز. فقد اقترن اسمه بخدمة كتاب الله تعالى، ونشر العلوم الشرعية، وتكوين أجيال من الأئمة والخطباء وطلبة العلم، حتى أصبح رمزا للعالم العامل الذي جمع بين الرسوخ في المعرفة، وحسن التربية، والالتزام برسالة العلماء في نشر الوسطية والاعتدال وخدمة المجتمع.

ولد الفقيد سنة 1956 بدوار أكنس، التابع لجماعة أوكايمدن بإقليم الحوز، في بيئة قروية عرفت بتشبثها بالقيم الدينية والأخلاقية الأصيلة. ولم يمض وقت طويل حتى انتقل مع أسرته إلى دوار تكثرت المرابطين السفلى بجماعة أوريكة، حيث نشأ في كنف والده العلامة سيدي الحسن فاضل، الذي كان من العلماء المعروفين بالمنطقة، فكان لذلك أثر بالغ في تشكيل شخصيته العلمية والتربوية منذ سنواته الأولى. وفي هذا المحيط العلمي، بدأ الطفل محمد فاضل أولى خطواته في تعلم القراءة والكتابة، ثم أقبل على حفظ القرآن الكريم، الذي كان أساس تكوينه العلمي والروحي، قبل أن يلتحق بالتعليم النظامي بمدرسة مولاي إبراهيم.

ومع بداية سنة 1967، اتخذ مسار حياته منعطفا حاسما عندما التحق بمدرسة والده العتيقة، حيث تفرغ لطلب العلوم الشرعية وفق مناهج التعليم العتيق التي حافظت على أصالة المدرسة المغربية في التكوين العلمي. وهناك تلقى تكوينا متينا في مختلف العلوم الإسلامية واللغوية، فجمع بين حفظ القرآن الكريم وإتقان علوم الفقه وأصوله، والنحو والصرف، والبلاغة، والمنطق، والفرائض، والتفسير، والحديث، وغيرها من العلوم التي كانت تشكل العمود الفقري للتكوين العلمي التقليدي بالمغرب. وقد أظهر منذ شبابه نبوغا واجتهادا، جعلاه يحظى بتقدير شيوخه وزملائه، ويؤهلانه ليكون من أبرز علماء جيله.

ولم يقتصر تحصيله العلمي على والده فقط، بل نهل من معين عدد من كبار علماء المنطقة، وفي مقدمتهم العلامة الحاج أحمد الزيادي، والعلامة عبد السلام جبران المسفيوي، وغيرهما من العلماء الذين عرفوا بالرسوخ في العلم وحسن التربية. وقد استفاد منهم علما ومنهجا وسلوكا، فجمع بين قوة التحصيل العلمي ورقي الأخلاق، وهو ما انعكس لاحقا في شخصيته العلمية والدعوية، حيث عرف بالتواضع، وسعة الصدر، وحسن الاستماع، والحرص على تقريب العلم إلى الناس بأسلوب يجمع بين الحكمة والبساطة.

وعندما توفي والده العلامة سيدي الحسن فاضل سنة 1982، وجد نفسه أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في مواصلة الرسالة العلمية والتربوية التي أسسها والده. فتولى إدارة مدرسة مولاي إبراهيم العتيقة، وحمل على عاتقه مسؤولية الحفاظ على إشعاعها العلمي، والعمل على تطويرها مع المحافظة على أصالتها. وقد نجح في هذه المهمة بفضل ما امتلكه من كفاءة علمية وخبرة تربوية، فأصبحت المدرسة في عهده قبلة لطلبة العلم من مختلف مناطق المغرب، وتخرج فيها عدد كبير من العلماء والفقهاء والأئمة والخطباء الذين انتشروا في ربوع المملكة، حاملين ما تلقوه من علم وقيم.

وكان رحمه الله يرى أن التعليم العتيق ليس مجرد وسيلة لحفظ المتون أو تلقين المعارف، بل هو مدرسة متكاملة لبناء الإنسان علما وسلوكا وأخلاقا. لذلك كان شديد الحرص على تربية طلبته على احترام العلم والعلماء، والتحلي بالصدق والإخلاص، وخدمة المجتمع، والالتزام بمنهج الوسطية والاعتدال الذي تميزت به المؤسسة الدينية المغربية عبر تاريخها. وقد عرف عنه اهتمامه الشخصي بطلبته، ومتابعته لشؤونهم العلمية والاجتماعية، وتشجيعهم على الاجتهاد والمثابرة، حتى غدا بالنسبة لكثير منهم أبا ومربيا قبل أن يكون أستاذا وشيخا.

وإلى جانب مهامه في إدارة المدرسة والتدريس بها، اضطلع العلامة سيدي محمد فاضل بمهمة الإمامة والخطابة، حيث كان منبر المسجد بالنسبة إليه فضاء للتوجيه والإرشاد، ونشر قيم الإسلام السمحة، وترسيخ معاني التعايش والتسامح، والدعوة إلى التمسك بالأخلاق الفاضلة. وكانت خطبه ومواعظه تتميز بالاعتدال والوضوح، مع ربط الأحكام الشرعية بواقع الناس وقضاياهم، وهو ما أكسبه احترام العامة والخاصة، وجعل حضوره العلمي والدعوي يتجاوز حدود منطقته إلى مختلف أقاليم جهة مراكش آسفي.

وقد حظي رحمه الله بثقة المؤسسات العلمية الرسمية، فعين واعظا بالمجلس العلمي، ثم عضوا بالمجلس العلمي المحلي بمراكش، قبل أن يصبح عضوا بالمجلس العلمي المحلي بالحوز. وفي سنة 2008، أُسندت إليه مهمة التدريس بالكراسي العلمية بجامع الكتبية بمدينة مراكش، وهو تكليف يعكس المكانة العلمية التي بلغها، باعتبار هذه الكراسي من أعرق المؤسسات العلمية بالمغرب، حيث يتولى التدريس فيها نخبة من كبار العلماء. ومن خلال هذه المهمة، أسهم في نشر المعرفة الشرعية، وإحياء الدروس العلمية المفتوحة التي تربط المجتمع بالعلماء، وترسخ الثقافة الدينية الرصينة.

وفي سنة 2023، توجت مسيرته العلمية بتعيينه رئيسا للمجلس العلمي الجهوي لجهة مراكش آسفي، وهو منصب يعكس الثقة الكبيرة التي حظي بها لدى إمارة المؤمنين والمؤسسات الدينية بالمملكة. وخلال توليه هذه المسؤولية، عمل على تعزيز دور المجالس العلمية في التأطير الديني، وتنسيق الجهود بين مختلف المجالس المحلية التابعة للجهة، والإشراف على البرامج العلمية والتكوينية، والعناية بالأئمة والمرشدين والمرشدات، مع الحرص على ترسيخ الثوابت الدينية للمملكة المغربية القائمة على العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني، وإمارة المؤمنين.

ولم يكن عطاؤه مقتصرا على التدريس والإدارة، بل ساهم أيضا في مراجعة عدد من المؤلفات العلمية، وتقديمها، والإشراف على تحقيق بعض النصوص التراثية، كما شارك في ندوات علمية ومؤتمرات داخل المغرب وخارجه، ناقش خلالها قضايا الفكر الإسلامي، والتعليم العتيق، وتجديد الخطاب الديني، وأسهم بآرائه في إثراء النقاش العلمي حول عدد من القضايا المرتبطة بالشأن الديني والتربوي. وقد كان حريصا على الجمع بين الوفاء للتراث والانفتاح الواعي على مستجدات العصر، مع التأكيد الدائم على أن التجديد الحقيقي ينطلق من فهم صحيح للنصوص الشرعية، واستحضار مقاصدها في خدمة الإنسان والمجتمع.

وعلى المستوى الإنساني، عرف العلامة سيدي محمد فاضل بدماثة الخلق، والتواضع، وحسن المعاملة، والقرب من الناس، فلم يكن يرى في العلم وسيلة للمكانة الاجتماعية، بل رسالة لخدمة الآخرين. وكان مجلسه مفتوحا للعلماء وطلبة العلم وعامة الناس، يستمع إليهم، ويجيب عن أسئلتهم، ويسعى إلى الإصلاح بين المتخاصمين، ويقدم النصح لكل من قصده، مما جعل محبته تستقر في قلوب الناس، ويكسب احترام مختلف مكونات المجتمع.

لقد شكلت حياته نموذجا للعالم المغربي الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين التكوين العلمي الرصين والانخراط في خدمة قضايا المجتمع، وظل طوال عقود مثالا في الانضباط والإخلاص والتفاني في أداء الواجب، دون أن يسعى إلى شهرة أو مكسب شخصي، وإنما كان همه الأكبر هو استمرار رسالة العلم، وإعداد جيل يحمل مشعل المعرفة والقيم.

وفي يوم الثلاثاء 11 فبراير 2025، أسلم العلامة الفقيه المربي سيدي محمد فاضل الروح إلى بارئها، عن عمر ناهز تسعة وستين عاما، بعد مسيرة طويلة حافلة بالبذل والعطاء، تاركا وراءه إرثا علميا وتربويا كبيرا، وذكرا حسنا بين العلماء وطلبة العلم وسائر أفراد المجتمع. وقد ووري جثمانه الثرى بمقبرة مولاي إبراهيم، وسط مشاعر الحزن والأسى التي عمت تلامذته ومحبيه وكل من عرف فضله ومكانته.

ورغم رحيله، فإن أثره العلمي والتربوي لا يزال حاضرا من خلال المدرسة التي أشرف عليها، والطلبة الذين تخرجوا على يديه، والدروس التي ألقاها، والمواقف التي جسدت إخلاصه للعلم والدين والوطن. وسيظل اسمه مرتبطا بتاريخ التعليم العتيق بإقليم الحوز، وبالمسيرة العلمية للمجالس العلمية بجهة مراكش آسفي، وبكل الجهود التي بذلها في سبيل الحفاظ على الهوية الدينية المغربية الأصيلة. فرحمة الله عليه رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علم وتعليم وتربية في ميزان حسناته، وألهم أهله وطلبته ومحبيه جميل الصبر والسلوان، وجعل سيرته العطرة مصدر إلهام للأجيال المقبلة من العلماء والدعاة والمربين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.