الانتفاضة/ اكرام
يعد سيدي الحاج محمد الحبيب البوشواري التنالتي، المعروف بالعلامة البوشواري التنالتي، واحدا من رجالات العلم والمعرفة الذين أسهموا في صون التراث العلمي والديني بمنطقة سوس، وتركوا أثرا بارزا في مجال التعليم العتيق والفقه والتربية الدينية.
ارتبط اسم العلامة البوشواري ببيئة علمية عريقة اشتهرت بها مناطق سوس، حيث ظلت المدارس العتيقة على مر القرون فضاءات لحفظ القرآن الكريم، وتدريس علوم الشريعة واللغة العربية، وتكوين أجيال من الفقهاء والعلماء. وفي هذا السياق، شكلت المدرسة العتيقة بتنالت إحدى الحواضن العلمية التي ساهمت في استمرار هذا التقليد الراسخ، بما حملته من إرث معرفي وروحي متجذر في المجتمع السوسي.
وينتمي العلامة البوشواري التنالتي إلى مدرسة علمية تقوم على الجمع بين المعرفة والتربية، وبين حفظ المتون وفهم مقاصدها، وهي خصائص طبعت مسار عدد كبير من علماء سوس الذين جعلوا من العلم رسالة لخدمة المجتمع وإصلاحه. وقد ارتبط حضور هؤلاء العلماء بمكانة القرآن الكريم والفقه المالكي في الحياة اليومية، باعتبارهما من أهم مكونات الهوية الدينية والثقافية المغربية.
ولم تكن أدوار العلماء في سوس مقتصرة على التدريس والإفتاء، بل امتدت إلى الإرشاد والإصلاح الاجتماعي والمحافظة على القيم، كما كان للعلماء حضور في القضايا العامة التي عرفتها المنطقة، خاصة خلال فترات مقاومة الاستعمار والدفاع عن الثوابت الوطنية. وقد عرفت المنطقة أسماء بارزة ارتبطت بالحركة العلمية والوطنية، ومن بينها الشيخ أحمد الهيبة، في سياق تاريخي جسد تداخل العلم والإصلاح والمقاومة.
وتبقى سيرة العلامة محمد الحبيب البوشواري التنالتي جزءا من ذاكرة سوس العلمية، ومن تاريخ رجال حملوا مسؤولية التعليم والتربية في ظروف لم تكن فيها المؤسسات التعليمية الحديثة قد أخذت شكلها الحالي. فقد كانت المدارس العتيقة بمثابة منارات للعلم، يقصدها الطلبة من مناطق مختلفة، ويتخرج منها فقهاء ومدرسون وقضاة وأئمة أسهموا في نشر المعرفة وخدمة الناس.
إن استحضار أسماء علماء من طينة محمد الحبيب البوشواري التنالتي ليس مجرد استعادة لسيرة شخصية، بل هو مناسبة للتذكير بأهمية التراث العلمي المغربي، وبالدور الذي لعبه علماء سوس في الحفاظ على القرآن والعلوم الشرعية واللغة العربية، ونقلها من جيل إلى آخر.
رحم الله العلامة سيدي الحاج محمد الحبيب البوشواري التنالتي، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علم وتربية وإرشاد في ميزان حسناته، وحفظ الله تراث سوس العلمي، وأبقى ذكر رجالاته مشعا في ذاكرة الأجيال.