الانتفاضة / محمد جرو
كنت كتبت قبل سنة مقال رأي على صفحات أحد الجرائد بتاريخ 15 يوليو 2015 تحت عنوان:”رئاسة حكومة مغربية بنون النسوة ..استباق الممكن..هل تكون المنصوري أول رئيسة حكومة …؟
أبرزت فيه، وبقراءة متأنية لمجريات الأحداث السياسية انذاك ،أنه في مجال السياسة ،التي أصبحت علما يدرس ،قيل فيها الكثير ،ومنها “لاأخلاق في السياسة ،وللسياسة أخلاقها “،ومنها مقولة ريمون آرون، المفكر السياسي الفرنسي “السياسة ليست فن الممكن، بل فن استباق الممكن.” و في حضرة الممكن النسائي، وبالنبش في جزء من ممارسة السياسة، حين تصبح الفرضية قابلة للتخيل، يطرح اسم فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة واحدة من كبريات المدن المغربية، مراكش، و في استفزاز للسؤال المشروع ذي الأجوبة الكثيرة.. الكثيرون استبعدوا ذلك، ومنه دين الدولة، الإسلام، ومايتطلبه ذلك، وفق البروتوكول الملكي، حيث يؤدي أمير المؤمنين الصلاة، والمرأة من زاوية الدين، لايجب أن تكون في ذات الصف مع الرجال ..
سياسيا، وفي احترام للدستور المغربي، احترمت ذات الرمزية والثوابث المغربية، الملك محمد السادس، حرفية النص الدستوري، في فصله 47 فعين إمرأة أول رئيسة حكومة في تاريخ المملكة المغربية (منسقة القيادة الجماعية لحزب التراكتور) الذي شعبيا بعد واقعة طنجة، ومكاتب تصويت أخرى، أصبح “حزب الموزيط الأزرق”.. لن نخوض كثيرا في حيثيات المقال، وأسباب النزول، ونقرأ هنا والآن، مستبقين الإعلان الرسمي عن تشكيلة حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، من خلال صور استقبالها لوفود الأحزاب المغربية، وفق ترتيبها في نتائج تشريعيات 23 شتنبر الجاري .. وفي علاقته بقضية الصحراء المغربية، ونحن على مرمى حجر من نهاية أكتوبر، شهر الملف والمينورسو وتنزيل مقترح الحكم الذاتي للاقاليم الصحراوية تحت السيادة المغربية،بحضور أسماء صحراوية ،قد “تفوز”بحقائب وزارية ..
البداية بتثمين، حزب الپام ،خلال اجتماع استثنائي ،”للمكتب” السياسي لهذا التعيين ،وحضره وافدان على الحزب ،هما الوزير لقجع،ولاندري ماصفته “التنظيمية”(بعدما راج اسمه ضمن المرشحين لحمل حقيبة الوزارة الأولى )ثم رئيس جهة الداخلة واد الذهب ،بوابة الصحراء المغربية نحو أفريقيا ،المستقيل أو،المرحل من حزب الميزان،نحو التراكتور ،مازالت تداعياته بالمنطقة تلقي بضلالها،الخطاط ينجا حضر بصفة “عضو”المكتب السياسي لحزب فؤاد عالي الهمة ،وبن عدي ،والياس العماري ،واحمد اخشيشن ،رئيس أكاديمية الپام ،الذي بدى عبوسا خلافا لوفد الپام المرافق لرئيسة الحكومة ..
لم تحضر الشخصية الصحراوية،الخطاط ينجا ،رئيس جهة الداخلة واد الذهب،جلسات المشاورات،ولكن ربما يحمل حقيبة وزارية ،بينما حرص الوفد الثالث،طبقا لترتيب الأحزاب حسب النتائج ،حزب علال الفاسي،على حضور المسؤول الرابع في هرم الدولة(رئيس مجلس المستشارين) ،محمد ولد الرشيد،وعضو اللجنة التنفيذية لذات الحزب في مشاورات تشكيل الحكومة،بمنطق” ثقل المؤسسات وخزان الصحراء”،في إشارة ورسالة ترسمان توازنات “الميزان” الجديدة،على ضوء ليس فقط نتائج تشريعيات شتنبر،ولكن ماذا يريد حزب الاستقلال منها ..
لم يكن حضور محمد ولد الرشيد مجرد تمثيلية بروتوكولية عادية، بل جاء ليجسد الثقل السياسي الحقيقي والتحول البنيوي، هذا التموقع يمنح وفد حزب الاستقلال وزناً تفاوضياً استثنائياً أمام رئيسة الحكومة المعينة، ويؤكد أن الحزب يشارك في صياغة الأغلبية المقبلة مدعوماً بأعلى مستوياته الدستورية والقيادية.
إلى جانب ذلك، يعكس حضور ولد الرشيد النفوذ التنظيمي الداخلي وجيل القيادة الجديد، باعتباره المسؤول الوطني عن تنظيمات وهيئات وروابط الحزب، ويبرز الوفد الاستقلالي المتوازن (بوجود عبد الجبار الرشيدي رئيس المجلس الوطني، وعبد الصمد قيوح القطب السوسي، ومحمد ولد الرشيد القطب الصحراوي) أن الحزب يدخل المشاورات موحداً ومصطفاً خلف أمينه العام، مع إبراز مراكز القوة الحقيقية التي صنعت نتائج الحزب الانتخابية.
وفد حزب الحمامة ،رآسة الشوكي كان عاديا ،في تبادل للأدوار ،بعد حكومة أخنوش ،أو ربما يتجه “لمعارضة”ناعمة حفاظا على التوازن من داخل الأغلبية ،لأنه لم يسبق له ،(التجمع الوطني للأحرار)منذ صنعه سنة 1993 وترأس صهر الراحل الحسن الثاني،أحمد عصمان لهذه الهيئة ،أن جرب أو جلس على مقعد المعارضة،وطبعا حضر الرجل الثالث في هرم الدولة ،الطالبي العلمي..
حزب السنبلة ،أحضر أمينه العام،الرئيس السابق الذي عمر طويلا على رأس الحركة الشعبية،امحند العنصر ،الذي “تگردع”في هذه التشريعيات فيما احتفظ برآسة جهة فاس مكناس،وهي إشارة باهتة ،تعبر ربما عن “ذبول”السنبلة ،شأن “الوردة”التي حضر “زعيمها”الذي أصبح مناضلوه يطلقون عليه “إدريس الرابع”في إشارة إلى “إعادة انتخابه”كاتبا اول لحزب عريس الشهداء ،المهدي بن بركة ،وعبد الرحيم بوعبيد ،محاطا بشخصيتين من ذات الحزب ،ولسان الحال الذي تعكسه قراءة الصورة ،”على ربي شي حقيبة وزارية”وتجلى ذلك في تصريح ادريس لشكر،أن لقاء رئيسة الحكومة سيبقى “أمانات “إلى حين انتهاء ماستسفر عنه المشاورات.
نفس الصورة ،وبشكل أقل،ظهر رفيق “الكتاب”نبيل بن عبد الله ،رفقة رئيس الفريق النيابي رشيد حموني،ومناضلة من التقدم والإشتراكية،هذا الحزب الذي سبق وقال أمينه العام،بأن هناك “رغبة”لتشكيل فريق نيابي الى جانب ثمانية تحالف اليسار ،بقيادة الأيقونة نبيلة منيب ،لكن قبل حضور هذه المشاورات،تبين أن ذلك التشكيل لن يتم ،بالنظر لالتزامات تحالف اليسار ،بالمعارضة سبيلا لترجمة توجهاته خلال الدعاية الإنتخابية،وقبله برفع سقف المطالب ،إلى درجة ملكية برلمانية ،في انسجام مع مقررات مؤتمرات جزء من هذا التحالف ،وهو الاشتراكي الموحد..
هكذا تمظهرات اللقاءات التي جمعت أول رئيسة حكومة بالمملكة المغربية منذ الإستقلال،أصبحت فاطمة الزهراء المنصوري ،رئيسة الحكومة المغربية ،”للإستباق الممكن” ،أقرب سيناريو ممكن هو تشكيلها لحكومة تمزج بين التقنوقراط والسياسيين(رغم أنهم يحملون فستات حزبية )لتحقق توازن بين الإنضباط التقني والتفاوض الحزبي ،ولكن على قاعدة عدم إعادة تدوير نفس الوجوه الوزارية ،بتغيير الحقائب فقط ،جبرا لأغلبيتها ..وهو محاولة “ترميم صورة تجربتين لأخنوش تكسرتا وتطايرت شظاياها داخل المجتمع،ويبقى الريموت كنترول،شغال وموجه لن يخطىء الشاشة الكبرى أمامه،تعكسه رهانات أكبر من تعيين إمرأة على رأس جهاز تنفيذي ،كما سبق وكتبت في ذات المقال السالف الذكر ،أول هذه القراءة ،من جهة أخرى ،و على قاعدة “أول وأول بلد ….، فإن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري أصبح واقعا ، وتكون أول امرأة بدغدغة عاطفية ، وتوجه مخزني أراد ويريد ذلك ، لأنه ببساطة هو من سيحكم بدرجة أقوى . ورغم اكتسابها لخبرة مطلوبة،بمشاكل واختلالات مازالت قائمة ،وهي تسير وتدبر شؤون المدينة الحمراء ،أعتقد أن التحديات على المستوى الوطني أعقد من المحلي ، وعلى رأس ذلك ،إعادة الثقة ،أو ترميمها في كل ماهو رسمي ،بل قبله في ممارسة السياسة ، ملف الحماية الاجتماعية الشائك ، إصلاح التعليم الإكراه الحقيقي والعقبة الكأداء ، والرهان التنموي في زمن شح الموارد . وطبعا ملف مونديال 2030 الخاص بتنظيم ثلاثي مشترك لهذا العرس الرياضي الكبير ، يمكن أن نقول بأن فاطمة الزهراء المنصوري “تكنوقراطية بملامح سياسية”..
ختما وختاما،السياسة ليست ما نراه، بل ما نفككه،فبعد “تبوأ”فاطمة الزهراء مقعد رآسة الحكومة،لن تكون غير “كاريزما”هادئة غير تجديدية ،لمنظومة حكم مازال يعيش في جلباب تقليدي فوقه كوستيم ظاهري ، يوحي”بتطور وحداثة”مفقودتين.