الانتفاضة
في زمن صار فيه الفساد يختبئ خلف الشعارات، برز نوع جديد من التسول أكثر وقاحة، تسول يرتدي ربطة عنق، ويحمل صفة “صحفي”، ويكتب افتتاحيات مغموسة في الذل والاستجداء.
لم يعد المشهد يقتصر على طلب الإعلانات والتمويلات المشبوهة، بل تعدّاه إلى الظفر بـ”القفف” والمساعدات، وكأن الصحافة تحولت إلى مهنة للاتكالية بدل أن تكون سلطة رقابة وكشف.
القطاع الصحفي اليوم يعيش أزمة أخلاقية قبل أن تكون مهنية، إذ فقدت الصحافة دورها كسلطة رابعة أمام موجة من المرتزقة والمنسوبين إلى المهنة، الذين لا يكتبون إلا بمداد المصالح، ولا يتحركون إلا حيث توجد الامتيازات. هؤلاء لا يدافعون عن قضايا المواطن، بل يتسابقون نحو قنوات التمويل والدعم، سواء عبر الإشهارات، أو عبر الهبات الممنوحة في الأعياد والمناسبات.
والأسوأ من ذلك، أن أغلب هؤلاء لا يعرف حتى أبجديات الصحافة، لا يميزون بين الخبر والتقرير، ولا بين الرأي والتحقيق، ومع ذلك يتصدرون المشهد ويقدمون أنفسهم كإعلاميين!
ما حدث في عيد الأضحى الماضي بمراكش فضيحة بكل المقاييس، حيث قررت الولاية توزيع الأضاحي على من تصفهم بـ”الصحفيين”، رغم أن أغلبهم لا علاقة لهم بالمجال.
كيف يمكن لمن يقف في طوابير المساعدات أن يكون صوتًا للمواطن؟ وكيف لمن يلهث وراء “قفة رمضان” أن يفضح الفساد؟
الصحافة لم تعد تبحث عن الحقيقة، بل عن إرضاء المسؤولين والبحث عن المنافع.
فكم من مقال كتب لتبرير الفشل؟ وكم من تقرير صيغ للتغطية على الاختلالات؟ لقد أصبحت بعض المنابر مجرد أدوات في يد الجهات التي تموّلها، بينما الصحفي الحقيقي، الذي يرفض هذا الانحراف، يجد نفسه محاصرًا ومهمشًا.
المشهد كارثي، والصمت عنه جريمة.
نحن لا نحتاج إلى صحافة القفف، بل إلى صحافة تفضح قفف الفساد.
الصحافة التي تتسوّل تموت، والصحفي الذي يقبل الهدايا يتحول إلى بوق مأجور.
فإما أن نكون سلطة تحاسب، أو نمضي في طريق التسول والانبطاح.
التعليقات مغلقة.