الانتفاضة / ابن الحوز
في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً لتداول الأخبار، باتت سمعة المؤسسات والأشخاص عرضة للاستهداف بمجرد نشر معلومة غير مؤكدة أو رواية أحادية الجانب. وما أثير أخيراً حول عميد كلية اللغة العربية بمراكش يطرح من جديد سؤال المسؤولية المهنية والأخلاقية في التعامل مع القضايا الحساسة التي تمس الجامعة المغربية ورجال التعليم العالي.
ففي الوقت الذي سارعت فيه بعض المنابر إلى تقديم القضية وكأنها محسومة، تفيد معطيات من داخل إدارة الجامعة بأن المعني بالأمر ما يزال يزاول مهامه وفق القوانين والمساطر الجاري بها العمل، الأمر الذي يفرض طرح تساؤلات مشروعة حول مدى دقة بعض الأخبار المتداولة ومدى احترامها لواجب التحري والتثبت قبل النشر.
وبحسب ما أورده العميد في بيانه، فإن التسجيلات المتداولة تعود إلى سنة 2008، وهي تسجيلات قديمة أُعيد نشرها بعد سنوات طويلة في سياق أثار الكثير من الجدل. وأوضح أن بداية التواصل كانت بعدما قدمت المعنية بالأمر نفسها على أنها طالبة تعاني من ظروف نفسية صعبة، مؤكداً أن تفاعله معها كان، وفق روايته، في إطار النصح والتوجيه وتشجيعها على مواصلة مسارها الدراسي.

وأضاف العميد أنه اكتشف لاحقاً معطيات تفيد بأن المعنية بالأمر لم تكن طالبة بالمؤسسة كما كانت تدعي، وإنما تم استغلالها في عملية تسجيل مكالمات مع عدد من الأساتذة بهدف الضغط عليهم، وهو ما اعتبره معطى أساسياً لفهم خلفيات القضية وسياقها الحقيقي. كما أكد، وفق ما جاء في بيانه، أنه لم تربطه بها أي علاقة خارج ما وصفه بإطار المساعدة والتوجيه، وأنه لم يلتق بها بشكل مباشر.
إن المؤسسات الجامعية ليست مجرد بنايات إدارية، بل هي فضاءات للعلم والبحث والتكوين، وأي استهداف لصورتها أو التشكيك في مصداقيتها بناءً على معطيات غير مكتملة ينعكس سلباً على سمعة التعليم العالي المغربي ككل. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الوقائع المثبتة قانونياً وبين الادعاءات التي تبقى في حاجة إلى تحقيق وتدقيق من الجهات المختصة.
ولا يختلف اثنان على أن النقد حق مشروع، وأن محاسبة المسؤولين ضرورة في أي دولة تحترم القانون، غير أن ذلك يجب أن يتم عبر المؤسسات المختصة والآليات القانونية، لا عبر محاكم افتراضية تصدر أحكامها قبل ظهور الحقيقة كاملة. كما أن إعادة تداول تسجيلات تعود إلى ما يقارب عقدين من الزمن دون تقديم جميع المعطيات المرتبطة بها يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية من إعادة إحياء هذا الملف في الظرفية الحالية.
إن الجامعة المغربية في حاجة اليوم إلى حماية سمعتها من الشائعات ومن كل محاولات التشويش التي تستهدف أطرها ومؤسساتها دون سند قانوني واضح. كما أن المسؤولية تقتضي من مختلف الفاعلين، إعلاميين ومدونين وناشطين، الالتزام بأخلاقيات المهنة والتحري الدقيق قبل نشر أو تداول أي معطيات قد تمس الأشخاص أو المؤسسات.
ويبقى الاحتكام إلى القانون، واحترام قرينة البراءة، وانتظار نتائج أي تحقيق رسمي، السبيل الوحيد لضمان العدالة وحماية الحقوق وصون هيبة الجامعة المغربية من كل أشكال التشهير أو الاستهداف غير المسؤول.