الانتفاضة / إلهام أوكادير
رغم الانتشار المتزايد للمطاعم العصرية وسلاسل الوجبات السريعة، ما تزال الأكلات الشعبية بمراكش تحتفظ بمكانتها الخاصة في قلوب الساكنة والزوار على حد سواء، حيث تشهد العديد من الفضاءات والأحياء المعروفة بإعداد المأكولات التقليدية إقبالاً يومياً لافتاً من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.
فخلال جولة ميدانية قادتنا إلى عدد من النقاط المعروفة بتقديم الأكلات الشعبية، خاصة بمنطقة “باب كالة” وبعض الأزقة المجاورة للمدينة العتيقة، بدا واضحاً أن المطبخ المراكشي لا يزال قادراً على استقطاب الزبائن بفضل تنوع أطباقه وجودة مكوناته والأسعار التي تبقى في متناول شريحة واسعة من المواطنين.
وتنتشر بهذه المناطق محلات عديدة أغلبها تتسم بالبساطة وصغر المساحة، منها المتخصصة في إعداد الأسماك، الطواجن، المشويات، اللحم المبخر، القطنيات، التقليا، الطنجية، الخبزة العجيبة، الطرطية، بوكاديوس، ولائحة الاختيار تطول، إلى جانب بعض الوجبات السريعة التي استطاعت أن تفرض حضورها دون أن تقطع صلتها بالذوق الشعبي المحلي.
“السي عبد الكريم”.. أكثر من أربعة عقود من تقديم الأسماك للمراكشيين
من قلب “باب كالة”، يواصل “السي عبد كريم” نشاطه في مجال إعداد أطباق السمك المقلي منذ أكثر من أربعين سنة، حيث ويُعتبر محله من العناوين المعروفة لدى عشاق السمك المقلي، حيث يقصده زبائن من مختلف أحياء المدينة وحتى من خارج مراكش.
ويؤكد “السي عبد الكريم” في تصريح عفوي، أن سر الاستمرار كل هذه السنوات يعود إلى “الحفاظ على الجودة والثقة”، موضحاً أن عدداً كبيراً من الزبائن أصبحوا يعتبرون محله محطة ثابتة لتناول وجبات السمك المرفوقة بالسلطات والمقبلات التقليدية والبطاطس المقلية.
وأضاف أن الإقبال لا يقتصر على سكان الحي فقط، بل يشمل زواراً من مختلف المناطق، فضلاً عن السياح المغاربة والأجانب الذين يجدون في المطبخ الشعبي المراكشي ضالتهم، بعيداً عن المطاعم السياحية التقليدية.
الطواجن والأكلات المنزلية.. وصفة نجاح عمرها ثلاثة عقود
وعلى بعد أمتار قليلة من المحل السابق، يواصل بعض الطهاة المعروفين بالمنطقة عملهم منذ أكثر من ثلاثين سنة في إعداد الطواجن والأكلات المنزلية التي تشمل الدجاج والعدس والفاصوليا وأطباقاً أخرى مرتبطة بالمائدة المغربية اليومية.
ويؤكد “السي لحسن” صاحب إحدى هذه المحلات، أن الإقبال المتواصل يعود إلى اعتماد وصفات تقليدية تحافظ على النكهة الأصلية للأطباق المغربية وهو أمر حاسم في عودة الزبائن لذات المحل، إضافة إلى الحرص على النظافة والأسعار المناسبة.
كما أوضح أن العديد من الزبائن يترددون على محله بشكل يومي، سواء خلال فترة الفطور أو وجبة الغذاء، مشيراً إلى أن النجاح الذي حققه دفعه إلى توسيع نشاطه وافتتاح محل آخر خارج المدينة.
جيل جديد يراهن على الجودة والنظافة
ولم يعد هذا المجال حكراً على الأسماء القديمة فقط، إذ اختار عدد من الشباب خوض التجربة والاستثمار في قطاع المأكولات الشعبية والعصرية على حد سواء.
ومن بين هؤلاء، شاب افتتح محله الجديد بأحد أزقة “باب دكالة” بعد تجربة سابقة في منطقة أخرى من المدينة، حيث يقدم وجبات متنوعة تشمل المشويات والدجاج المحمر وبعض أصناف الوجبات السريعة “الفاست فود” التي تحظى بإقبال كبير من طرف عشاق الأكل خارج المنزل.
ويقول صاحب المشروع إن الانتقال إلى الموقع الجديد لم يؤثر على عدد زبنائه، بل إن الكثير منهم ظل وفياً للمحل بسبب جودة المأكولات والنظافة وحسن المعاملة، إذ اصبحوا يتكبدون عناء التنقل بحثا عن الجودة و اللذة التي اعتادوها.
وأضاف أن الإقبال يستمر طوال فصول السنة، سواء خلال الصيف أو الشتاء، وأن الزبائن يتوزعون بين سكان مراكش وزوار المدينة، بينما يبقى الحضور الأقوى للمراكشيين الذين اعتادوا تناول الطعام خارج المنزل رفقة الأصدقاء أو أفراد العائلة.
ثقافة غذائية راسخة في المدينة الحمراء
من خلال تصريحات أخرى للزبائن الذين سألناهم بعين المكان والمارة المرتادون، وقفنا على واقع ارتباط المراكشيين بالأكلات الشعبية، والذي لا يكمن فقط في الحاجة إلى تناول الطعام، بل يعكس جانباً من الثقافة المحلية التي جعلت من المطبخ جزء من الهوية اليومية للمدينة.
فمراكش، التي تُصنف ضمن أبرز الوجهات السياحية بالمملكة، لا تستقطب الزوار بمعالمها التاريخية فقط، بل أيضاً بموروثها الغذائي الغني الذي يجمع بين النكهات التقليدية والوصفات المتوارثة عبر الأجيال و “البنة” كما أفاد كثيرون.
وتبقى المحلات التي زرناها مجرد نماذج من عشرات الفضاءات المنتشرة عبر مختلف أحياء المدينة، والتي نجحت في الحفاظ على حضورها وسط المنافسة المتزايدة، بفضل خبرة أصحابها وتمسكهم بالجودة والنكهة الأصيلة.
وبين الطاجين والسمك والمشويات واللحم المبخر وغيرها من الأطباق التي تملأ موائد المراكشيين يومياً، تستمر علاقة المدينة الحمراء بالمطبخ الشعبي كواحدة من أبرز ملامح هويتها، وعنواناً دائماً للكرم والذوق الرفيع الذي اشتهرت به مراكش داخل المغرب وخارجه.